الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 من يصدق أن « منقاش» يمكنه ان يسقط «الاباتشي». علي عبيد الشايب المزارع البسيط يتحدى أمهر وأغلى الطيارين في العالم، وبندقيته القديمة التي مكانها متحف التاريخ، تتغلب وتهزم واحدة من أقوى وأهم الاختراعات العسكرية في القرن العشرين. منقاش الذي لا يعرف الدولار الأميركي ولم يتعامل في حياته البسيطة سوى مع دنانير عراقية لا وزن لها ولا قيمة لها في زمن الحرب وغير الحرب، يصوب نحو السماء وتسقط عليه غنيمة ثمنها 55 مليون دولار، تتحول في لحظة الى خردة ولعبة للأطفال، لكنه موعود بثروة طائلة، تجعله من طبقة أغنى الأغنياء ومع الغنى شهرة واسعة في كل العالم وفي صفحات التاريخ وفي موسوعة جينس أيضا. انها حادثة من غرائب الزمن. شخصيا لا أصدق الحادثة، أن يفعل منقاش ذلك وأن تسقط الاباتشي هكذا. لكن الحقيقة أن الاباتشي صارت في قبضة العراق وشاهدها كل العالم، وأن «منقاش» وبندقيته التاريخية حقيقة موجودة. وسقطة الاباتشي ورواية صيد منقاش السهل صفعة، وورقة ضغط تجعل الثنائي بوش وبلير في موقف صعب أمام دولتيهما وأمام العالم، وعندما تتوالى الصفعات، يتخبط الانسان اكثر ويفقد اعصابه وأيضا عقله، وهنا تكون الكارثة، اذا كان الحدث على وزن حرب عظمى، والعقل المفقود أو الذي قارب على ذلك يتحكم ويحكم العالم ويشن هذه الحرب التي رسمت له، وحلم بها سهلة، فاذا هي غير ذلك، ويقرأ والايام لا تزال في بدايتها أنه لا يعرف متى تنتهي، والذي يعلمه منها انها صعبة جدا وأشد شراسة مما هي عليه في المخططات وعلى الورق. وعلى وزن المفاجآت والأحداث غير المتوقعة التي تواجه الولايات المتحدة التي يفترض أنها الأقوى بل المؤكد. وانها المحرر والبطل المنتصر قبل أن تبدأ المعركة، التي يلقاها من العدو كما يسميه أو من أخطاء ومن مفارقات ومن معجزات أو أقدار خارجة عن إرادته وليست من فعل العراق. على وزن ذلك من تبدلات وصدمات الميدان، يحدث لاميركا ايضا في ميدان آخر هو المجال الإعلامي المكمل أو قد يكون الأهم في إدارة الحرب، ففي حروب أميركا السابقة كانت هي الأقوى والمسيطر الذي يتحكم ويوجه الإعلام، استطاعت في حروبها الماضية أن تنتصر إعلاميا او ان تحول هزائمها إلى مبررات وظروف وان تخفف من تأثير سقوطها بفضل قوى الاعلام. هي التي كانت تخطط وتقود هذا الاعلام، وتسمح لصوتها فقط ان يكون هو الاقوى وهو المحايد والنزيه، فعندما كانت تقرر ان تغزو دولة أو تهاجم سياسة او ترغب في إسقاط نظام او تشويه صورة بلد كانت ترسل إعلامها أولا، ليقوم بالضربة الأولى، وقد يقوم بالعملية كلها. لا أحد يمكنه ان يخترق ميدان الإعلام تحديدا، عندما يكون الطرف الأول أو الثاني في الصراع هو حكومة أميركا، عليه ان يذهب لها في كل الأحوال ليحصل على الخبر أو الصورة او التعليق والرأي، وعليه مجبرا أو مقتنعا ان يصدقها هي، فالحرية تعني اميركا فقط، ولا احد يمكنه ان يشكك في نزاهتها وصدقها ودقتها عندما يكون الحديث عن الاعلام. نسمع اميركا ونصدق العراق لكن سياسة الاحتكار التي مارستها وفرضتها اميركا في إعلام الحروب تحديدا، جعلت العالم يضيق منها، لان كل العالم في لحظة قد يكون خصما لها، فسعى الإعلام أو وجد نفسه يخرج من القبضة، ويتطور ويتوسع. فإن اكثر الذين يحملون نفوسا متمردة ومتحمسة وفيها من طلب المغامرة والبحث عن السبق والتميز والحقيقة هم اهل الاعلام. لهذا ساعدتهم التقنية والمنافسة والتمرد في رفض الصوت الأوحد، في البحث عن الاخر. وفي الحرب الثالثة - وهو مصطلح يحمل مفهومين: حرب الخليج الثالثة أو حرباً عالمية ثالثة كان الصوت الاخر هو العراق، وهو ايضا صوت العالم الرافض لهذه الحرب. وكانت تكنولوجيا الاعلام وسلطته قد تطورت في الحقبة الاخيرة،ما يسمح ان تكون قطبا لا يخضع لقوانين الحكومات وقيودها اذا أراد أو أريد له ذلك. وهنا في حالات عديدة تم غض الطرف عنه، ليشاغب الطرف الأميركي المهم ان الجمهور ولاول مرة يشاهد اكثر من صورة واكثر من جانب للصورة الواحدة، ويستمع لاكثر من صوت ويعيش لحظة الحدث، اللحظة التي لا يعرف نتيجتها مطلق الصاروخ او الجندي المقاوم. فذلك فر والآخر لا يعرف أين انتهى بينما الكاميرا سجلت اللحظة وما حدث فيها. ورغم حالة الانفكاك من القبضة والتمرد على الحاكم المتحكم والمعلم الاول حكومة أميركا، إلا ان الإعلام ظل في الأيام الأولى وفيا لها، لانه تعود ان يجد عندها المصداقية والحرية وتعود ان لا يجد عند النظام العراقي سوى لغة السباب والشتم، والذي أصبحت فيه لا تسمع عسكريا عراقيا يتحدث ولو دقيقة واحدة ولا يستخدم مفردات من (معجم مختار الصحاف لجميع المسبات) كما ذكرت نكت الحرب، واذا حدث ذلك لا تصدق ان هذا ضابط ينتمى الى نظام صدام. وايضا الصفة الموسومة لهذا النظام انه يهول ويكذب، ما عنده حرية ولا صدقية واعلامه وكلامه مضلل دائما. لهذا كان الإعلام يسمع له ولكنه يصدق اميركا وحدها. حتى وجد ان اميركا تكذب هي الأخرى، وتمارس التعتيم والمراوغة وتحاول ان تحجب المعلومة ومعها الحقيقة هنا ما كان الاعلام يكذب اميركا، لا لأن نظام صدام قال ذلك، بل لان الصورة الحقيقية والمباشرة كانت تقول ذلك، مثلما حدث مع طائرة الاباتشي الاسيرة صيد «منقاش» الثمين. ان تجد اميركا مقاومة وتختلف عليها حسابات الميدان الحربي ومن ثم نتائج الوقائع الاولى للمعركة، أمر يسهل تقبله وتعويضه، لكن ان تخسر المعركة الاعلامية او جولات هامة منها، تحتوي على الجوهر مثل الحرية والمصداقية، فهذا شأن عظيم لان ذلك لا يمكن معالجته وأخذه او فرضه بالقوة، فذلك هو اساس حضارتها وقوتها في هذا الكون. فكيف تكون اميركا من غير مصداقية.. من غير حرية ؟!