الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 مراسل فضائية عربية أمام قاعدة عسكرية تقع على بعد حوالي مائة كيلومتر من لندن، خلف المراسل ، أسلاك شائكة تفصل الطريق عن ممرات المطار الحربي الذي تجثم فوق أرضه القاذفات العملاقة الاستراتيجية من طراز بي 52 القاذفة الرئيسية في سلاح الجو الأميركي، حاملة السلاح النووي، يمكنها الوصول من تلك القاعدة إلى أي مكان في العالم، إذ تستطيع تلك الطائرات أن تبقى محلقة في الجو لمدة أربع وعشرين ساعة، حمولتها من مواد الهلاك ثلاثون طنا من الصواريخ طراز كروز والقنابل العملاقة التي يبلغ وزن بعضها ثمانية أطنان. منذ الخميس قبل الماضي تبث المحطة لقطات من المكان نفسه، يمكننا رؤية الطائرات الضخمة متوقفة، بدأنا نرى تحرك الطائرات فوق الممرات تمهيدا للإقلاع. الطائرة رمادية، تكوينها يثير الكآبة، وحزن متعدد المصادر، الكاميرا تركز على مقدمتها حيث قمرة القيادة، يمكن رؤية قائد الطائرة، تكوينه وليس ملامحه. الطائرة تثير الرهبة بمنظرها الرمادي، والمعلومات المسبقة عنها، إنها تحمل حجما مصغرا هذا الطيار الذي أجهله، يقود حاملة الهلاك تلك إلى بلد عربي عزيز، وما تحمله الطائرة من أسلحة دمار نعرف بعضها ونجهل الكثير منها سوف يتم إفراغ تلك الحمولة فوق من هم بمنزلة الأهل، في تلك اللحظات يبلغ الشعور بالتضامن الإنساني والقومي ذروته، ثمة بشر الآن في المدن العراقية، انتمى إليهم وينتمون إلى، أعرف بعضهم شخصيات بالتأكيد يقصدهم هذا الطيار الاجنبي عني وعنهم، هو وزملائه، في لحظة معينة سوف يضغط أزرارا ترسل الدمار والهلاك إلى الأرض. الكاميرا تتابع الطائرات حتى إقلاعها، هذا وضع لم يسبق له مثيل في الحروب التي قرأت عنها أو تلك التي عايشتها، عادة يكون الاقتراب من المواقع العسكرية خاصة المطارات أمرا صعبا، ممنوعا على من ليس لهم صلة، خاصة الصحفيين، وبالتحديد المصورين لكننا نرى على الشاشة ونحن جلوس على بعد آلاف الأميال كافة التفاصيل المرتبطة بإقلاع الطائرات. ها هي الطائرات تقلع أمام أبصارنا من مكان محدد، نعرفه ونراه، قاصدة مكانا محددا. نعرفه أيضا، ما لا نعرفه تجهيزات هذه الطائرة التي تبدو شبه مصمتة إذا استثنينا نوافذ قمرة القيادة، كذلك تسليحها ومسارها أيضا، لكن ما أعرفه أن المسافة التي تفصل هذه القاعدة عن بغداد والموصل والبصرة، أي مكان في العراق، تقطعه تلك الطائرة في حوالي ست ساعات، أي نفس المسافة التي تقطعها طائرة الركاب العادية بين لندن وبغداد، يبدو الأمر إذن وكأننا أمام خط جوي. الإقلاع معلن، وموعد الوصول متوقع، لماذا تلك العلنية؟ أمعن التفكير وأحاول تحليل الأسباب وصولا إلى النتائج. بالتأكيد هذا المراسل وزملاؤه حصلوا على تصريح بالتصوير، انهم يقفون علنا وبعلم قيادة القاعدة سواء كانوا أميركيين أو إنجليز، المقصود طبعا هو الاستعراض، إرهاب الخصم، تصوير الإقلاع بهذا الشكل والاعلان عنه هكذا جزء من الحرب النفسية، المواجهة بالطبع غير متكافئة، لو أن هذه القاذفات العملاقة تقصد إحدى مدن روسيا أو الصين أو فرنسا لما أعلنت هكذا عن إقلاعها بهذا السفور، مثل هؤلاء الخصوم عندهم إمكانيات الاعتراض والتدمير، أو تعطيل مسارها، لكن أي بلد عربي لا يمتلك إمكانية إيقاف أو اعتراض هذه الطائرات التي تحلق على ارتفاع شاهق ولا يمكن أن تطالها أي أسلحة متاحة وموجودة لدى أي بلد عربي. إذن فنحن في مواجهة استعراض قوة غاشمة ليس لديها طبعا ثمة هدف آخر، هو تحطيم المعنويات، فعندما نرى نحن العرب تلك الطائرات ساعية إلينا، لنا أن نتخيل الاهوال المعنوية لدى المتابع وليس المقصود بالقصف فقط. على امتداد ست ساعات، بالضبط المسافة التي تفصل تلك البلدة الإنجليزية عن العراق، كنت أتخيل هذه القاذفات العملاقة وهي تقطع الفضاء على ارتفاعات شاهقة، كنت أتساءل عن طبيعة الأهداف التي تقصدها، ما هي الأهداف التي تحتاج تلك القاذفات العملاقة؟ التساؤل مبرره وجود عشرات القطع البحرية في الخليج والبحر الأحمر، مئات الطائرات فوق الحاملات وفي القواعد المحيطة بالعراق، هذه القوات تملك إمكانية إطلاق صواريخ كروز ذات الدقة العالية في إصابة الأهداف، وأنواع أخرى لا نعلم عنها شيئا، هذه القاذفات الاستراتيجية المفروض أنها تقصد إلى أهداف نائية تطير من أجل بلوغها عدة ساعات. لماذا استخدامها ضد العراق إذن؟ أنه هدف معنوي أيضا، طبعا المقصود به الهدف الرئيسي الذي ستحلق فوقه بعد ساعات، وأيضا تلك البلاد التي ستمر بأجوائها، الأقطار الأوروبية، أنه استعراض قوة موجه إلى من يعنيه الأمر. ست ساعات أمضيتها أمام التلفزيون حتى كلّ بصري أتابع الاخبار عبر الفضائيات الناطقة بالعربية والإنجليزية، المظاهرات العنيفة التي لم تعرف لها مصر مثيلا في الأزهر وميدان التحرير، لأول مرة منذ ثورة 1919 في القرن الماضي يدخل أحد رجال الكنيسة القبطية إلى الأزهر، في ثورة 1919 اعتلى القمص سرجيروس منبر الأزهر، جنبا إلى جنب مع شيوخه العظام، اليوم وعند إقلاع القاذفات العملاقة،كان الأب الأنبا بسنتي مطران حلوان والمعصرة، أحد قيادات الكنيسة المصرية العريقة يدخل إلى الأزهر ليقف جنبا إلى جنب مع شيوخه، ليخطبوا في القوم الذين لم يحتشدوا من قبل كما احتشدوا في هذا المكان الجليل. الساعة السابعة أجلس مجددا أمام التلفزيون. القاذفات الاستراتيجية قريبة الآن من أجواء العراق، لابد أنها تقوم بمناورات الاقتراب، أو ترتيب أوضاع الهجوم، مرة أخرى أفكر في القذائف الثقيلة التي ستلقيها، وأي أهداف مقصودة؟ حوالي السابعة وعشر دقائق دوت صفارات الإنذار، المشهد منقول إلى معظم أنحاء العالم عبر فضائيات عديدة، أنها حروب القرن الواحد والعشرين، على الهواء مباشرة، تتحول الحروب إلى صورة، وهكذا يشارك ملايين البشر فيها بالمشاهدة، لهذا فضائله وعيوبه، وهذا موضوع يطول الحديث فيه. يمر وقت قصير، دقائق ثقيلة، قبل أن يقول المراسلون في بغداد إنهم يسمعون صوت الطائرات، لكنهم لا يستطيعون رؤيتها، بالطبع، إنها تحلق على ارتفاعات شاهقة بعيدا عن مدى أي سلاح مضاد للطائرات موجود في العالم العربي كله، تبدو الانفجارات كقنابل ذرية صغيرة، مشهد الانفجار الذي يشبه عش الغراب أو الكمأة، لا نعرف الاهداف التي نقصدها، لكن القصف يضيء سماء بغداد، بغداد العزيزة، أنها ليست مكانا في الخريطة، لكنها أزمنة في القلب والوجدان، تستهدفها القاذفات الاستراتيجية العملاقة بشتى صنوف الدمار، أفكر في البشر الذين يصابون الآن، يسحقهم الهول القادم من الفضاء السحيق، لا نراهم، لا نعرف شيئا عن لحظاتهم الأخيرة، أفكر في السياسات الخاطئة التي أدت إلى هذه الكوارث، لكنني ألوم نفسي فليس الوقت مناسبا! يتعلق وجداني بالناس، القوم الذين يقضون في هذه اللحظات، تستمر موجات القصف المروع وعلى بعد آلاف الأميال يظهر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي يعلن ببرود شديد أن أحد أهداف الحرب، إنهاء التهديد العراقي للشعب الأميركي. ـ كاتب مصري