الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 اذا كان لدى الإدارة الأميركية أي أمل في تمرد المواطنين العراقيين من طائفة الشيعة ضد بغداد وانضمامهم إلى قواتها، فان هذا الامل ذهب مع الريح بعد ذلك البيان الحاسم الذي صدر ليلة الثلاثاء عن المرجعيات الشيعية العراقية في مدينة النجف المقدسة وفي مقدمتهم آية الله على السيستاني. وحتى قبل ان يصدر هذا البيان القوى فان زيف الفرضيات الرئيسية التي بنت وزارة الدفاع الأميركية عليها الخطة الاستراتيجية الكبرى للحرب ضد العراق اخذت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى بمجرد بدء الحرب ونذكر انه كان في مقدمة هذه الفرضيات الاساسية مراهنة مصيرية على ان الشيعة في الجنوب العراقي مع الاكراد في الشمال سوف يهبون لاستقبال القوات الاميركية ـ البريطانية بالترحاب كمقدمة للانضمام الى حملة الحرب من اجل اسقاط النظام الحاكم، فبينما بات اي تحرك قتالي للميليشيات الكردية مرتهناً إلى خوف من رد فعل تركي عسكري فان تداعيات القتال في الجنوب اثبتت عملياً ان الشيعة في مقدمة عناصر المقاومة العراقية المسلحة في وجه الأجنبي. وربما يسأل سائل: لماذا جاء بيان المرجعيات الشيعية العراقية بعد ستة ايام من اندلاع الاشتباكات الحربية في انحاء الجنوب العراقي ولم يأت قبل اندلاع القتال؟ والاجابة هي ان البيان أصدر كرد فوري على شائعة روجت لها كل من واشنطن ولندن باندلاع «انتفاضة» شيعية في البصرة ضد نظام حزب البعث. والهدف من هذه الشائعة هو بالطبع بث ارتباك في صفوف المقاومة الشيعية العراقية التي تتعاظم يومياً. لقد دعا بيان المرجعيات الشيعية الذي تلاه آية الله السيستاني في النجف العراقيين جميعاً إلى «الدفاع عن وطنهم» في وجه قوات التحالف الأميركي البريطاني، وقال البيان: «ندعو العراقيين لان يدافعوا عن وطنهم وعرضهم ودينهم ومقدساتهم لطرد الكافرين عن ارض الاسلام ونسأل الله ان يرد كيد الخائنين ويدفع شر الظالمين». وعلى صعيد آخر يبدو أيضاً ان هناك هدفاً آخر من اصدار هذا البيان، فالدعوة إلى قتال القوات الاميركية ـ البريطانية الغازية التي تمثل المرتكز الأساسي للبيان تأتي وكأنها دحض لدعوة مناقضة صدرت عن التنظيم الشيعي للمعارضة العراقية في الخارج الذي يطلق عليه «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق» ويتزعمه باقر الحكيم. فقد دعا الحكيم الشيعة العراقيين إلى اتخاذ موقف «حياد» ازاء الغزو الأميركي ـ البريطاني. ان سياق الاحداث والتطورات الدموية الجارية على الأرض العراقية يوحي وكأن دعوة باقر الحكيم هذه نابعة من اتفاق مع إدارة بوش. والثابت على اي حال هو ان الإدارة الأميركية طلبت من هذا التنظيم المعارض عدم المشاركة في المقاومة الشعبية العراقية. ان استخدام كلمة «خيانة» لنعت الموقف «الحيادي» لتنظيم «المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق» بينما يتعرض الوطن العراقي لعدوان خارجي واسع النطاق وشديد الشراسة ربما لا يكون دقيقا تماماً «الانتهازية» ربما تكون اقرب إلى المعنى. ان هذا التنظيم يرى نفسه الاجدر بوراثة الحكم في عراق يتكون سكانه من أغلبية شيعية بعد سقوط نظام حزب البعث الحاكم. ومن أجل هذه الغاية بعيدة المدى فانه ربما يفضل المحافظة على قوته القتالية لتكون طليعة مسلحة لقاعدته الجماهيرية عندما يظفر بالسلطة عوضاً عن تبديد هذه القوة في المشاركة في المقاومة الشعبية المسلحة ضد القوات الأجنبية. ووجه «الانتهازية» هنا هو ان تنظيم باقر الحكيم يريد للقوات الأميركية البريطانية ان تتحمل عنه عبء الاطاحة بالنظام ومن ثم تنسحب هذه القوات ليتولى التنظيم الشيعي زمام السلطة. واذا كان الأمر يبدو كصفقة فهو كذلك: يمتنع التنظيم الشيعي المسلح عن مقاتلة القوات الأميركية البريطانية.. وفي المقابل تكافئه واشنطن بتمكينه من حكم العراق لاحقاً. هذا على الاقل ما نفهمه من تصريح أدلى به باقر الحكيم في مؤتمر صحفي في طهران هذا الأسبوع قال فيه ان «قوات التحالف» ينبغي ان تغادر العراق «في اسرع وقت ممكن بعد سقوط نظام صدام حسين». وكما يبدو الأمر فان هذه انتهازية لا يمكن ان توصف بأنها بعيدة النظر. فكيف تقبل واشنطن استبدال نظام الرئيس صدام حسين بنظام تنتهي مرجعيته السياسية إلى طهران. وفي كل الاحوال فان الهدف الاستراتيجي الأميركي من شن الحرب على العراق هو اقامة إدارة احتلالية أميركية تتخذ من حكومة عميلة في بغداد واجهة لها لتحقيق اولويتين: سيطرة شركات النفط الأميركية على صناعة النفط العراقية، واعتراف العراق باسرائيل.