الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 سيطر شبح «المكارثية» الجديدة على حفل توزيع جوائز الأوسكار السينمائية في سنة انعقادها الخامسة والسبعين التي جرت مراسمها في هوليوود الأسبوع الماضي، فجاء الحفل فيما يشبه «المأتم» لقتيل مات دون دية أو ثأر، لأن معظم السينمائيين الأميركيين الذين حضروا الحفل كانت عيونهم على حكومة الرئيس جورج دبليو بوش التي لجمت أفواههم بقانون «الوطنية» رافعة شعار من ليس معي فهو ضدي، وهو شعار يبدو أقرب إلى المكارثية التي كممت أفواه الإبداع الفني والأدبي في الولايات المتحدة في الخمسينيات.وجاء إلى البيت الأبيض من يعود إلى رفع الشعارات نفسها التي تتعارض مع ممارسة حرية التعبير التي يجب أن تقوم عليها العملية الإبداعية في الفنون جميعا، وفي مقدمتها فن السينما المركب، الذي يحتوي على جميع تلك الفنون، وكأن لا أحد يتعلم من دروس التاريخ. إلا أن وجود بعض السينمائيين الأجانب المتمردين، سواء كان وجودهم بأجسادهم المادية، كما هو الحال بالمخرج السينمائي الإسباني «بدرو ألمودوفار» الذي حضر احتفالات هذا العام كما حضر في أعوام سابقة. أو وجودهم المعنوي في حالة المخرج البولندي الأصل الفرنسي الجنسية «رومان بولانسكي»، الممنوع من دخول الولايات المتحدة، في قضية مشكوك في وقوعها استخدمها قضاء الديموقراطية الأميركي ليؤكد أن هذا البلد الذي يتشدق برفع شعار الحرية لا يقل فسادا عن أي جمهورية موز، أو أي حكم قبلي في أفريقيا أو آسيا، هذا الوجود لهؤلاء الفنانين كسر ما تم الاتفاق عليه على الصمت عن رفع أي شعار ضد عملية «الغزو الأميركي- البريطاني للعراق»، وكأن حفل الأوسكار يجري في كوكب آخر غير الكرة الأرضية التي تدور على طرف منها رحى حرب مدمرة، لا هدف لها سوى فرض السيطرة بالقوة على منطقة من العالم استعصت على الشركات المتعددة الجنسية بالتغريب. حرب الاوسكار شاء سوء حظ منظمي حفل الأوسكار أن يفوز الفنان الإسباني بأوسكار «أفضل سيناريو أصلي»، ليمارس حقه في الحديث من على منصة توزيع الجوائز، وهو حق مارسه هذا الفنان كاملا في إعلان رأيه السياسي، متخليا عن ممارسة حقه في إعلان الفرح بهذه الجائزة الكبرى التي تجعله أول فنان في بلاده يحصل عليها للمرة الثانية. خمس وأربعون ثانية فقط هي كل ما كان يملكه «بدرو المودوفار» للحديث، استغلها ليؤكد أنه كفنان لا يمكنه أن يقبل بمجرد الصمت أمام الجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة في حق شعوب العالم، وتحاول منحها شرعية «ناقصة» باستخدام أقزام سياسيين من نوعية توني بلير ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار، هذا الأخير الذي لا يفهم أحد لا في بلاده ولا خارجها، ومن بينهم مواطنه الفنان الفائز بجائزة الأوسكار، موقفه الغريب الذي لا توجد له دوافع من مصالح وطنية واضحة لبلاده، ولا حتى مصالح سياسية على جميع الأصعدة، مما يثير التساؤل حول هذا الموقف الذي لا تفسير له برغم أنه يعرض المصالح الوطنية للخطر. إذا كان سوء الحظ في البداية في جانب منظمي حفل جوائز الأوسكار متمثلا في فوز «المودوفار» بجائزته الثانية، فإن هذه الجائزة كانت بالنسبة لرئيس وزراء إسبانيا بمثابة «إعلان حرب» ضده وضد حزبه، إعلان حرب من جانب مؤسسة أميركية تبدو متآمرة ضده، لأن الفنان الإسباني عثر على سلاح جديد ليستخدمه ضد سياسة حكومة خوسيه ماريا أزنار بعد موقفه الغريب الذي لا يمكن تفسيره. الأوسكار الثاني للفنان الإسباني لم يكن السلاح الذي دفعه إلى اتخاذ موقفه المعادي للحرب، وبالتالي إلى إطلاق التصريحات النارية ضد من يخوضون تلك الحرب، أو يدعمونها، وعلى رأسهم جورج بوش وخوسيه ماريا أزنار، بل كان سلاحا جديدا يؤكد أنه ينطلق في موقفه من الحرب من مبدأ راسخ برفضه لاستخدام «القتل والموت» باسم الديمقراطية التي يؤمن بها، ويعتبرها النظام الذي يسمح بحل المشاكل بالحوار بدلا من سفك الدماء، وكان اتخذ هذا الموقف نفسه مع عدد من زملائه من فناني السينما الإسبانية قبل أسابيع من بدء الحرب، عندما أعلن رفضه لغزو العراق مع العديد من زملائه السينمائيين أثناء توزيع جوائز السينما الإسبانية «جويا»، التي تعتبر جوائز أوسكار السينما الإسبانية. وتم إعلان الموقف الرافض للحرب، بحضور وزيرة التعليم والثقافة التي وجدت نفسها في موقف «المتهم»، ومحاطة بعداء الجميع، فأرادت ان تدفع عن نفسها غضب رئيسها باتهام الفنانين بأنهم «جهلاء وأغبياء»، ولا يفهمون في السياسة، على الرغم من تمسح حكومتها في كل مناسبة بالفنانين والأدباء بحثا عن شهرة هؤلاء، واستخدام تلك الشهرة في «سرقة» أصوات الناخبين. عودة المكارثية الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الفنان الإسباني «بدرو ألمودوفار» لم يكن هذه المرة متحمسا جدا لحصوله على أوسكار جديد، برغم ترشيحه في عدة مستويات من الإبداع السينمائي، جائزة أفضل مخرج وجائزة أفضل سيناريو أصلي، لذلك لم يخصص زيارته لمدينة سان فرانسيسكو هذه المرة للمتعة والدعاية كما فعل في مرات سابقة، ولا حتى خصص جزءا من وقته لجذب أصوات أعضاء أكاديمية السينما الأميركية، بل فعل كل ما يمكن اعتباره عكس ذلك تماما، فقد استخدم معظم وقته في إطلاق تصريحات سياسية غاضبة، صب معظمها على رأس خوسيه ماريا أزنار رئيس حكومة بلاده، وهي تصريحات توقع كثيرون أن تساهم في اتخاذ موقف «شخصي» منه بين أعضاء أكاديمية السينما الأميركية، تبعده عن الفوز بأي من جوائز الأوسكار المرشح لها، لأن هذا الموقف الذي اتخذه الفنان الإسباني يعتبر في عرف الأميركيين معاديا لرئيسهم جورج دبليو بوش، وهو ما يعرضهم إلى العودة من جديد إلى زمن «المكارثية»، خاصة أن هناك «المكارثية الجديدة» قوانينها معدة بالفعل في إطار «الحرب ضد الإرهاب» التي يرفع البيت الأبيض حاليا شعارها، ويمنحها الأولوية على كل شيء، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالمبادئ الأساسية الأخرى: الحرية والديمقراطية والرفاهية. الفنان الإسباني هذه المرة، تذكر كثيرا وبمرارة مدينته المفضلة «مدريد»، التي يطلق عليها اسم «مدريدتي»، فهي التي شهدت مولده الفني قادما من أقصى ريف «دي لا مانتشا»، الأرض التي دارت عليها رواية «دون كيخوتي»، والتي منحتها شهرة عظيمة في تاريخ الأدب العالمي، وكان تذكره لمدينته «مدريد» مقرونا دائما بهجوم عنيف ضد رئيس وزراء الحكومة الإسبانية، وقطع على نفسه عهدا أن يخصص وقته بعد عودته إلى بلاده، سواء بالأوسكار أو من غيره، للعمل ضد سياسة تلك الحكومة. تعهد المودوفار في معظم تصريحاته أن يخصص معظم وقته في العمل على «إسقاط» سياسة رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار، لانه في رأيه سياسي لا يمثل المواطنين الإسبان الذين انتخبوه، بل يرى المودوفار أن سياسة أزنار الحالية بدعمها لخطط الغزو الأميركي للعراق تمثل خطرا على الديمقراطية في إسبانيا نفسها، لأن هذه السياسة لن تكون لها نتيجة أخرى سوى توريط البلاد في مستنقعات لا هدف منها سوى «إرضاء سيد البيت الأبيض»، بغض النظر عما يمثله ذلك من ضرر بالغ بالمصالح الوطنية الإسبانية. في هذه التصريحات وصف الفنان الإسباني رئيس الولايات المتحدة جورج بوش بأنه «لا يفهم شيئا، ولا يدري بما يجري من حوله» وأنه مجرد دمية تحركها مجموعات ذات مصالح خاصة لا علاقة لها بالمصالح الوطنية الحقيقية للشعب الأميركي، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل حتى مجرد التفكير في أن سياسة التبعية التي يمارسها رئيس وزراء بلاده يمكن أن تكون مقبولة أو تحقق أدنى مصلحة لأحد، فهو يرى أن «خوسيه ماريا أزنار إضافة إلى أنه لا يدري بما يجري من حوله، فهو مصاب بالصمم، لأنه لا يسمع الهتافات التي تسير في شوارع بلاده مطالبة باحترام رأيها»، ولا يريد أن يفهم ما تعنيه المظاهرات في شوارع المدن الإسبانية المناهضة للحرب والتي كان المودوفار المتحدث باسمها في المظاهرة الكبرى التي جرت في الخامس عشر من فبراير الماضي، وضمت أكثر من مليونين ونصف المليون متظاهر، وهي أكبر مظاهرة شعبية في تاريخ العاصمة الإسبانية. تعهد الفنان الإسباني أيضا، أن يعمل من الآن فصاعدا ضد تلك السياسة القائمة على الخضوع التام للسياسة الأميركية، وقال أنه سيعمل على أن يخسر خوسيه ماريا أزنار وحزبه جميع الانتخابات التي سيكون فيها قادرا على الإدلاء بصوته، ليس بحجب التصويت عنه، أو بالتصويت للأحزاب الأخرى، بل بالدعاية ضد هذا السياسي وحزبه حتى لا يعود إلى تولي السلطة مرة أخرى، لأنه كفنان ومواطن نشط يؤمن أن باستطاعته إنقاذ الديمقراطية في بلاده من أمثال هؤلاء السياسيين، لأنهم خطر حقيقي على أي ديمقراطية. هذه التصريحات السياسية للفنان «بدرو ألمودوفار» تتسق تماما مع فكره المتحرر والرافض لأي سلطة على الإبداع مهما كان مصدرها، وفي الوقت نفسه تتسق أيضا، بل وتتوافق مع رأي الشارع الإسباني هذه الأيام، الذي يتظاهر يوميا في شوارع المدن الرئيسية رافضا لسياسة الحكومة، ومن هنا ينظر الحزب الحاكم بقلق إلى هذه التصريحات العلنية التي تنقلها وسائل الإعلام عن هذا الفنان الذائع الصيت، والذي يتمتع بجماهيرية كبيرة بعد تحقيقه نجاحا داخليا منقطع النظير وفي فترة قصيرة نسبيا، إضافة إلى أنه أول فنان إسباني يحصل على الأوسكار مرتين. ربما كان قلق الحزب الحاكم في إسبانيا له ما يبرره الآن، لأن البلاد تستعد لخوض انتخابات محلية في شهر مايو المقبل، وكل استطلاعات الرأي تشير إلى أن الحزب اليميني الحاكم يحقق نتائج سيئة بسبب خضوع زعيمه التام والكامل للسياسة الأميركية، وربما تأتي هذه الانتخابات وعملية الغزو الأميركي للعراق في أوجها، أو في وقت يتساقط فيه القتلى بين القوات الغازية بشكل غير متوقع إذا سارت الأمور على ما هي عليه الآن، في هذه الحالة سيكون صوت ألمودوفار وغيره من النجوم له تأثير كبير على سير العملية الانتخابية، ويحقق ما تهدف إليه. بل يتوقع المراقبون أن معارضة فنان واسع الشهرة مثل المودوفار لسياسة خوسيه ماريا أزنار يمكن أن تمتد في الزمن إلى ما هو أبعد من الانتخابات المحلية، لأن الانتخابات العامة القادمة ستجري خلال عام 2004، وهو زمن ليس بالبعيد. وعندما تجري تلك الانتخابات لن يكون بوسع الحزب الحاكم أن يتخطى الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها خلال الممارسة الديمقراطية في البرلمان الوطني، والتي أضافت إليها ممارسات رئيس الوزراء اللاديمقراطية مزيدا من النفور في الشارع السياسي. ـ كاتب مص