الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 منذ ان خلق الله الانسان وثمة ثوابت لا يمكن التنازل عنها من افراد المجتمع الانساني بغض النظر عن الجنسية والعرق والانتماء. من هذه الثوابت الحفاظ على الوطن وصيانة كرامته، وحفظ ترابه من ان تطأه ارجل غريبة تريد به الشر، وتبيّت له السوء مهما كان نوع الشعارات التي تحتمي بها لتبرر اطماعها من العدوان. وما من حرمة كحرمة الوطن، وما من حق يضاهي حق الانسان في الحياة الكريمة الآمنة المطمئنة فوق أرضه وتحت قبة سمائه. ولأجل ذلك فمن يساوم على حرية الوطن يساوم على الحياة بكل تفاصيلها وعناصرها ومدلولاتها بدءا من الوجود المادي للانسان، وانتهاء بتحول الآمال الى حقائق تحكي قصة الكفاح وتروي سيرة النجاح التي شهد عليها الوطن، واحتفى بها واحتواها بين آلاف السّير، وملايين الروايات الحية التي كان الوطن مسرحا لها وكان حارسها الغيور، وشريكها المؤتمن. قيمة الوطن من قيمة ابنائه، وحمايته امر باركته السماء، وأكدت عليه الاديان، وكفلته الدساتير والشرائع والمواثيق الدولية. الوطن رمز الوحدة، ونقطة التقاء الارواح واجتماع العقول على العمل المشترك لتحقيق ذاتية الوطن وقوته واستقلاله. ويوم ان يأتي الغازي لينازع المواطنين ارضهم، ويستبيح سماءهم فليس له الا الموت يتجرعه رغم انفه، ويصيبه جزاء عادل لبغيه وعدوانه. ومن فجائع الاقدار، وسخرية الزمن ان الأميركي اليوم جاء بسلاحين كلاهما يكذب الآخر، وكل واحد منهما يفضح زيف من لجأ اليهما لتنفيذ مآربه الدنيئة بأرض العراق. سلاحه الاول اسماه كذبا (حرية العراق) ومضى يدبج الخطب، وينمق الالفاظ، ويتباكى على حرية الشعب العراقي المصادرة على يد النظام الحاكم. واخذ الخطيب المفوه يمطرنا بأكاذيب سوداء ليس من بينها كذبة بيضاء ـ تخفف من الاحتقان الذي يصيبنا بعد سماع خطاباته الغريبة ـ هذا ان كان الكذب يتلون، او كان له معنى بديل عن كونه افتراء على الحقيقة واجتراء عليها. وفي كل لحظة وحين يضمن خطابه الذي ينضح بالدجل كلمات التضامن مع شعب العراق، والمساعدات الانسانية التي سيجود بها الأميركي على من يذبحهم صباح مساء!! ان هذه الحيلة الواهية تصر الولايات المتحدة على المراهنة عليها كسلاح فعّال من اسلحة المواجهة مع الارادة الصلبة للشعب العربي المسلم، وتراها طريقة عصرية في تسويغ الحروب وتبرير الظلم والعدوان تحت شعارات الحرية، والضمير العالمي والديمقراطية التي لم يعد لتحقيقها من سبيل الا عبر صواريخ توماهوك والقنابل العنقودية والاسلحة المحرمة دوليا. وبين الحين والآخر يخرج على شاشات التلفاز فرسان هذا الزمن المليء بالعجائب والتناقضات ليسردوا لنا حكاية الذئب الجائع مع النعاج الصغيرة التي أقسم لها يوما بالحفاظ عليها وبر قسمه وفقا للسيناريو الذي اشرف عليه اركان الحكم في البيت البيضاوي. غير ان الذئب الضاري فاته ان شعب العراق لن يتقمصوا دور النعاج ولا تعنيهم فصول قصة نسج خيوطها هواة الصيد في الماء العكر. مثل هذه الحيل الواهيه لا تنطلي على احفاد من صنعوا حضارة الرافدين، وبنوا مجدا في التاريخ عزّ له نظير. وكل شبر في العراق تاريخ وامجاد، وكل معلم من معالمه هو ميراث انساني خالد ساهم الاسلام بالنصيب الاوفى منه وكل متر مربع فيه يعبق بذكريات هي اعز وأغلى من ان تطأها اقدام الجبناء او تكون مأوى لهم. سيحرق العراقيون من حاولوا استغفالهم بالكلام المعسول في حين يقتلونهم صباح مساء، وسيلقنهم درسا في معنى التضامن مع الذات والوطن والقيم والمباديء الانسانية العليا. وسيدور الزمن دورته لكن على غير ما اراد سيد البيت الابيض، وعلى عكس ما تمنى وتأمل. وسينطق كل بيت في بغداد والبصرة والموصل بقصص الصمود والتلاحم بين ابناء هذا الشعب العريق. ولم يبق بعد ثمانية ايام من الهجوم المضاد، والمقاومة الرائعة الا ان نقول لمن لايزال يراهن على الخيانة الوطنية: ان ليلكم سيطول وأمركم سيزول، فاما وعيتم الدرس الاول في ملحمة البطولة والصمود، واما ستقتلعكم الرياح كما اقتلعت غيركم ممن ليس له جذور!!