الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 حتى بداية الحرب الأميركية البريطانية على العراق قبل أكثر من أسبوع، كنت أظن أن ما يسمى بالقيم الغربية المتمثلة في الديمقراطية وحقوق الانسان، والصدق، هي قيم حقيقية خاصة إذا ما تم مقارنتها بما يحدث عندنا في العالم الثالث. هذه الصورة الذهنية التي يحاول الغرب زرعها قسراً في عقولنا سقطت وانهارت، وفضحت الحرب المتواصلة حقيقة هذه الديمقراطية العدوانية التي يريدوننا أن نتبناها على أجنحة صواريخ التوماهوك وقاذفات الـ «بي 52» كما قال بحق وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف. حقيقة الأمر الذي انكشف مؤخراً أنهم أسوأ منا بمراحل فيما يتعلق بالصدق والشفافية، ويكذبون كما يتنفسون، والأدهى أنهم لا يخجلون، وكأن هذا الكذب فضيلة ينبغي أداؤها كلما أمكن ذلك! ما أريد توضيحه ليس الكذب الذي يمكن ادراجه في اطار الحرب النفسية، من قبيل قولهم ان الحرب ستكون نزهة خاطفة وأقرب إلى رحلات السفاري في الصحراء العراقية، وأن الجندي الغربي خاصة الأميركي لا يمكن قهره، وتبين لاحقاً انه بشر مثلنا يمكن مهاجمته وأسره وقتله وجعله يرتعش رعباً رغم امتلاكه لأحدث ما وصلت إليه أسلحة الدمار وهو يواجه مجرد مقاومة شعبية من مواطنين بسطاء وفلاحين يملكون بنادق خردة! الكذب الذي أتحدث عنه هنا هو ذلك النوع الذي مارسه كبار المسئولين الأميركيين والبريطانيين دون ان يرمش لهم جفن، ومن قبيل ذلك ما قاله السيد توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يوم الثلاثاء الماضي من أن مناخ الحرية في شمال العراق جعل نسبة الوفيات أقل مقارنة بما يحدث في بغداد.. لن نختلف مع بلير كثيراً في نقطة عدم ديمقراطية صدام حسين ونظامه، لكن ألا يعرف بلير أن الأمم المتحدة وأجهزتها تقول ليل نهار ان الحصار الخانق المفروض من قبل واشنطن ولندن هو المسئول عن تدهور الأحوال المعيشية والصحية في بغداد والجنوب العراقي.. يضيف السيد بلير ان الحكومة العراقية قصفت أنابيب مياه الشرب لتمنعها عن مواطنيها، وأن قوات الاحتلال تحاول جاهدة توصيل المياه للسكان في البصرة والناصرية، وحقيقة الأمر كشفها الصحفيون المحايدون، وهي أن القوات الأميركية البريطانية بادرت إلى قطع المياه وحصار المدينة حتى تجبر المدنيين على التعامل معها، وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظة. أما السيد بوش فكان كوميدياً للغاية حينما خرج على عجل ليطالب الحكومة العراقية بضرورة الامتثال لاتفاقية جنيف بشأن الأسرى، والمضحك المبكي أنه سيعاملهم كمجرمي حرب إذا أطلقوا النار على جنوده، كما ان سوابقه في احترام اتفاقيات جنيف وما فعله ويفعله مع أسرى غوانتانامو تبعث على السخرية، كما ان موقفه من الاتفاقيات الدولية التي وقعتها بلاده بالفعل مثل بروتوكول كيوتو بشأن الانبعاث الحراري واتفاقيات أخرى مثل محكمة الجزاء الدولية، كل ذلك كان ينبغي على مستشاريه أن ينصحوه بعدم التطرق إلى موضوع الاتفاقيات بالذات وضرورة تجنب الحديث حولها، ثم ان حربه نفسها غير شرعية، وغالبية دول العالم تراها عدواناً، وبالتالي كما قال أحد الصحفيين في لندن، فإنه يحق للعراقيين ان يعاملوا الغزاة باعتبارهم مرتزقة وليسوا جنوداً نظاميين. ونأتي إلى الفيلد مارشال دونالد رامسفيلد الذي كان يتحفنا بقفشاته وسخرياته اللاذعة في المؤتمرات الصحفية قبل الحرب، متبختراً بأن الحرب قد تستمر ليومين أو أسبوعين، لكن ليس لشهرين! والآن امتقع وجهه وزاد عمره مئة عام دفعة واحدة، لكنه لم يتوقف عن الكذب، عندما حاول إنكار سقوط أسرى وقتلى في صفوف قواته، وعندما فضحه العراقيون ببث الصور عبر التلفزيون ابتلع كل كذبه، لكنه لم يرتدع وابتدع شيئاً أزعم انه غير مسبوق في تاريخ حروب البشرية، وهو محاولته اقناع العراقيين ـ وهم خصومه في المعركة ـ بالطريقة التي ينبغي ان يقاتلوا بها، هذا الصقر الأميركي الذي يخفي دمويته وقسوته خلف ابتسامة باهتة يعيب على بعض المواطنين المقاتلين العراقيين ممارسة بعض الحيل لاستدراج الغزاة وقتلهم، ولا يعيب على جنوده وحكومته محاولة السطو المسلح في وضح النهار على دولة بكاملها! وبالطبع فهناك الكذبة الكبرى التي وقع فيها جميع المسئولين الأميركيين والبريطانيين حينما زعموا ان الهدف الرئيسي هو نزع أسلحة الدمار من العراق، وذهب المفتشون ولم يجدوا شيئاً، ثم قالوا وطالبوا بضرورة اسقاط النظام العراقي، وفي اللحظة الأخيرة كشفوا الوجه الحقيقي للعبة وهو أنهم سيحتلون العراق حتى لو رحل صدام حسين، وهو الأمر الذي كشفه جندي أميركي أخرق في اليوم الأول للحرب حينما أنزل العلم العراقي واضعاً علم بلاده فوق احدى منشآت ميناء أم القصر. تلك نماذج بسيطة لأكاذيب الكبار، ولو حاول باحث أو مؤرخ رصد الأكاذيب الأميركية البريطانية منذ بداية التخطيط للحرب وحتى الآن لاحتاج إلى ملايين المجلدات، والاف الجيجابايتات.. وإذا كانت تلك هي ديمقراطيتهم وقيمهم فلتذهب إلى الجحيم.. والتحية إلى كل الشرفاء في العالم الذين رفضوا الحرب وأدانوا العدوان.. وكل المجد للمقاومة العراقية البطلة التي جعلتنا نتذكر من جديد أن الحق قد يتعثر حيناً لكنه سوف ينتصر في النهاية.