الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 كانت أول مرة أحضر فيها مهرجانا مسرحيا في بغداد. كان ذلك في بداية الثمانينيات، وكانت الزيارة الثالثة أو ربما الرابعة، لكن الزيارات السابقة، كلها كانت سريعة وأظن أن أحداها لم تتجاوز اليومين. لم أكن أعرف من الفنانين العراقيين الا من اعدهم على أصابع اليد الواحدة. وكنت أتجول في المهرجان برهبة الغريب. كنت واثقا أنني سأتعرف بالجميع، ولكن الخجل أقنعني أن ذلك سيأتي في وقته، فليس عليّ أن أتعجل ما سيحدث. ولكنني لمحته عن بعد. عرفته. ملت على أحد الأصدقاء وقلت له: أريد أن أتعرف به؟ كنت أحمل له تقديرا كبيرا، لكن ذلك لم يكن مبررا كافيا، فأنا أحجم عن الاقتراب من كثيرين أكن لهم التقدير ـ قدمني صديقي اليه: الأستاذ يوسف العاني وعرفني به فصافحني بيد قوية كأنها يد فلاح معتزل وقال بمودة لصديقي: حسن انك عرفتني به، فما كنت أعرفه وحدي، فما يكتبه لا ينطبق على هيئته! وضحكنا وكنت مزهوا ان هذا الرائد يعرفني ويعرف انني أكتب. قال لي مازحا: لقد أتى وقت الغداء وأنا أدعوك اليه إما على حسابي أو على حساب المهرجان! وفضلت أن يكون الغداء في الفندق وعلى حساب المهرجان على حد تعبيره لارتباطي بموعد. وجلسنا الى طاولة بعيدة ومع ذلك سلم على يوسف العاني كل من كان هناك. وفي يوم من أيام المهرجان كنت واقفا في حيرة لا أدري الى أي مسرح اتجه ووجدته الى جواري، ولما عرف حيرتي سألني: هل تسمح لي بالاختيار؟! رحبت بذلك فشبك ذراعه بذراعي في مودة تهت بها فخرا وخرجنا لنشير لتاكسي، وعرفت فيما بعد أن يوسف العاني الفنان الرائد والذي عرفه الناس في كافة العالم العربي لم يمتلك يوما سيارة وذهبنا الى مسرح صغير فقير رأيت فيه مسرحية جميلة لا أذكرها الآن، لكنني اذكر أنني تحمست لها كثيرا. وفي صباح اليوم التالي كانت تقام ندوات تطبيقية عن المسرحيات. وطلبت أن أعلق على المسرحية وطلب يوسف العاني ايضا الكلمة. وتحدثت عن المسرحية وجاء دور يوسف العاني فإذ به يعتذر عن الكلام قائلا انني قلت ما كان يريد قوله! وخجلت سعيدا بما قاله.. وقامت بيننا صداقة امتدت الى اليوم. كنا نجول شوارع بغداد على أقدامنا فيشرح لي بغداد والعراق فأعرف في كلمات ما لم تستطع الكتب ان تقوله. وكنا نتجول في شوارع القاهرة فيتحدث عنها أفضل مما يتحدث عنها معظم القاهريين. واكتشفنا ان لنا بعض الأصدقاء يعرفهم كل منا جيدا. وكان أولهم الكاتب الصحفي فتحي خليل وكان من أفقه الناس وأشرفهم، وخرج من مصر الى العراق بعد وفاة عبدالناصر. ولقد زرته في بغداد وكان يعيش في شقة متواضعة، ويعمل في وظيفة صغيرة. لكنه كان متوافقا. وأدهشنا خبر وفاته كثيرا فلقد كان شابا. وكذلك ابراهيم عبدالجليل وكان من رواد الدراما التلفزيونية والى جانب ذلك كان رئيسا لبرامج الأطفال، وحصل ابراهيم على عدد من الجوائز المهمة، وعندما حدث ما سمي بثورة مايو 1971 أبعد عن التلفزيون مع مجموعة كبيرة، فذهب الى العراق مع ابراهيم الصحن وسعد لبيب وآخرين. وعندما ذهب ابراهيم الى بغداد كان من اشهر «العزاب» والتقى هناك مسيحية جميلة هي شميم رسام وتزوجا وانجبا طفلة هي «نيفين» وكانت شميم تشكو في مداعبة انها لا تعرف معنى اسم نيفين وكنت اقول لها انه اسم تركي قديم وألومها على اعتراضها ـ رغم تحفظي على الاسم ـ فالعراقيون يختارون اسماء مدهشة، وفي ندوة طلب بعض الشباب والشابات الكلمة: كفاح، قدرة، تحرير الخ وعندما تكلم أحمد التفت بشدة لأعرف هل هو حقا عراقي. وأنا نفسي لي صديق اسمه انتشال التميمي، وهو المدير الفني لمهرجان الفيلم العربي في روتردام، وعندما اسأله عن مغزى اسمه يبتسم ويتحدث في موضوع آخر. ومرض ابراهيم عبدالجليل في منتصف الثمانينيات. وذهبنا لزيارته في أحد مستشفيات لندن سعد لبيب الرائد الاعلامي وأنا. وكان ابراهيم متفائلا لكن المرض كان اقوى. وقابلت شميم في بغداد بعدها مرة أو مرتين، ثم اختفت تماما. ومضت سنين على ذلك ثم فوجئت بصوتها وعرفت انها تعمل الآن في احدى الاذاعات الأميركية، وكانت تريد الاتفاق معي على برنامج على الهواء. وكان موعد البرنامج الخامسة صباحا بتوقيت القاهرة. وصرخت معترضا. وحكيت لها قصة سيد مكاوي عندما واعدته أم كلثوم لأول مرة، وكان الموعد في التاسعة فسألها متوجسا: صباحا أم مساء؟ فلما قالت له صباحا قال لا: هو فيه فن يا ست تسعة صباحا؟! قلت لشميم رسام: ومن يستطيع التحدث في الخامسة صباحا! لكنني تحدثت. واختفت شميم مرة أخرى، واحيانا يسرح بي الخيال الى نيفين الآن شابة في أميركا وأتساءل في أية مظاهرات تشترك؟ وكان من أصدقائنا المشتركين ـ يوسف العاني وأنا ـ المخرج الكبير صلاح أبوسيف وكنا نلتقي في بغداد والقاهرة. وذات مرة وأنا مسافر وحدي إلى بغداد سألني صلاح أبوسيف. هل أخذت هدية الى يوسف العاني؟ وارتج علي فأنا لا أفهم في هذه الأشياء، وبعد أن تماسكت سألته: وماذا آخذ له؟ قال لي صلاح أبوسيف في دهشة من سؤالي: بسبوسة طبعا! فلقد كان صلاح أبوسيف مغرما بالبسبوسة وكان يعتقد انها أجمل ما في الحياة، وانها أروع هدية تقدم الى الأصدقاء ولكن يوسف العاني وهو ممثل كبير فضلا عن أنه مؤلف ومخرج لم يعمل مع صلاح أبوسيف لكنه عمل مع يوسف شاهين في فيلم «اليوم السادس» والذي شاركته فيه داليدا. ولقد اكتشفنا ـ يوسف العاني وأنا ـ على مدى السنين اننا نتشابه في كثير من الاشياء، ولكن أغرب ما تشابهنا فيه هو أننا نرصد من نفتقدهم! منذ أسابيع قريبة طلبت من الشاعر أحمد تيمور ان نقيم في صالونه الأدبي امسية عن الكاتب الراحل محسن زايد. وأقمنا تلك الأمسية قبيل مرور أربعين يوما على وفاته. وقلت في البداية أن من افتقدوا محسن زايد الشخص بكوا عليه وانتهى، أما نحن فنحتفل بمبدع ما زال على قيد الحياة لأن أعماله باقية. وكنت قد هددت اخاه مطيع زايد المنتج وابنة عمه معالي زايد الممثلة اذا بكى احدهما. وبدأت بأحاديث مرحة عن محسن. واكتشفت انني فعلت ذلك مع عشرات من الأدباء والكتاب. وكذلك يوسف العاني الذي كتب كتابا جميلا عنوانه «شخصيات وذكريات» عن فنانين وأدباء عرفهم. وأهداني الكتاب اهداء غير تقليدي فلقد أتى في صفحة كاملة شرح فيه الهدف من الكتاب: عبر ثلاثين عاما فارقت الكثيرين ممن أحب.. فكان لهم موقع في نفسي وروحي، حولته طيلة ذلك الزمن الى كلمات، «وفاء» عساها تسد جزءا يسيرا من دين لهم في أعماقي.. فقد كانوا ـ أدري أو لا أدري ـ قيمة كبيرة في حياتي. وكان ممن كتب عنهم أصدقاء أعرفهم مثل صقر الرشود المخرج الكويتي الذي اخرج لي ثلاث مسرحيات وسعد الدين وهبة الذي عملت معه وصادقته نحو أربعين عاما. وكرم مطاوع وحسين قلاف وجبرا ابراهيم جبرا. ويقتحم عالمي يوسف العاني هذه الايام في كل لحظة فاستعيد أيام بغداد عندما كنا نتجول على شاطئ دجلة ونقضي أوقاتا في شارع أبي نواس ونبحث عن المسارح. واتساءل عما يفعله يوسف العاني الآن؟ وتترقرق عيناي بالدموع فأهرب ممن حولي. ويا أبا وسن ـ وما أعذبه من اسم لطبيبة ـ صبرا جميلا.