الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 أحد أهم القواسم المشتركة بين الخطابات الإعلامية الدعائية للقوى صاحبة المشروعات الاستعمارية على مدار التاريخ، العمل على إقناع الشعوب المرشحة للغزو بأن لها مصلحة مؤكدة في الترحيب بالغزاة.وتبرز السوابق أن هذه القوى تتلمس طريقها إلى حلقة ضعيفة في البنية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو حتى الدينية العقيدية أو المذهبية، داخل المجتمع المراد غزوه، مستهدفة الضغط عليها واتخاذها تكئة أو خشبة قفز لتعزيز منطقها الدعائي. حدث ذلك مع حملة نابليون بونابرت، الذي زعم أنه وجنوده هبطوا أرض مصر لتخليصها وأهلها من ظلم المماليك.وحدث مع كل الحملات الإستعمارية الغربية في العالمين القديم والجديد، التي روجت لمقولة رسالة الرجل الأبيض ونشر الحضارة، وغير بعيد عن الذاكرة تلك الفرية الكبرى عن حرص معسكر الدول الحليفة على تحرير العرب من نير الاستعباد التركي إبان الحرب العالمية الأولى..وهو ما أفضى في حقيقة الأمر إلى إحلال استعباد باستعباد وتقسيم البلاد والعباد في الديار العربية، فضلا عن استزراع الاستيطان الصهيوني في منطقة القلب منها بفلسطين وتمزيق أصحابها أيدي سبأ. خطاب مضلل يفترض أن العرب في كل حال أدرى الناس بزيف الدعاوى التبشيرية التي يزين بها المستعمرون منطقهم، ومن أكثر أمم الأرض إكتواء بجرائر الاستعمار وأحابيله ومعرفة بأقنعته..والمفترض أيضا أن القوى الاستعمارية بدورها أكثر ذكاء من أن تحاول إجترار هذه الاحابيل والاقنعة. غير أن ما يدعو للأسى وجود ما ينفي إلى حد ملموس صحة هذين الفرضين ! ففي تعاطيها مع الأزمة العراقية، أعادت السياسة الأميركية إستلهام خطاب التبشير الباطل القديم، والمدهش أن هذا الخطاب وجد في الرحاب العربية من يتقبله بقبول حسن ويتفاعل معه. فهذه السياسة ومن يوالونها، تطرح أنها بحملتها العسكرية الجبارة ضد العراق إنما تسعى مخلصة إلى إنقاذ الشعب العراقي - والشعوب العربية تاليا بالتداعي - من براثن نظام ديكتاتوري سامه سوء العذاب لثلاثة عقود متوالية.وقد تم الإعتماد على هذا الطرح بشكل «متردد خلال المراحل التمهيدية للحملة (الغزو)، فالقانون والشرعية الدولية لا يسمحان بإطاحة النظم بالقوة تحت عنوان نشر الديمقراطية.ولكن ما إن نزعت واشنطن ولندن غلالة القانون والشرعية ومقام الأمم المتحدة عن مقاربتهما ومضيا إلى الغزو المسلح، حتى ركزا جرعة طرحهما المغشوش عن دمقرطة عراق ما بعد صدام حسين وبناه في تضاعيف خطابيهما السياسي الدعائي تجاه الأزمة بكل كثافة. وبسبب الخبرة المتراكمة، عالميا وعربيا، عن استحالة اللقاء بين الاستعمار أو الاحتلال المدبر أو المؤقت وبين الديمقراطية، كان يتعين على الشريكين الأميركي والبريطاني اللجوء إلى بدعة دعائية أكثر تماسكا وقابلية للمرور وأقل تهافتا. لكنهما استغلا فيما يبدو تحرق العراقيين والعرب بعامة إلى الحكم الديمقراطي الرشيد فوقعا في هذا الخطأ.وهذا أمر جائز بالنسبة لقوتين غازيتين لم تجدا مبررات لفعلتهما أكثر براءة وطهرية من هذه البدعة.على أن ما يثير الحنق أن بعضا من أهل الدراية والذكر العرب، من المثقفين، راحوا يتطوعون للترويج لها وتسويقها بين يدي الرأي العام. هناك بصيغة أخرى محاولة لتشكيل شبكة أمان فكرية - إذا جاز التعبير - لزعم أن الديمقراطية السياسية والرخاء الاقتصادي سيكونا في متناول أهل العراق قريبا، غداة دحر النظام العراقي بالقوة.ويضطلع بهذه المحاولة بعض أهل البيت، بما يمنحها شيئا من الصدقية وتغطية تداري سرعاتها الثابتة تاريخيا وينبغي الاعتراف بأن المتحمسين للقضية الفاسدة منطقيا، القائلة بوصول الديمقراطية على جناح طائرة حربية وصاروخ بعيد المدى، يقدمون خدمة جليلة للغزاة.فهم يلقون لإعلام الأزمة، المغرض والتضليلي عادة، بطوق نجاه من غرق محتوم.ذلك لأنهم ينتمون للمجال الثقافي العربي المقصود بهذا الإعلام،ومن ثم فإنهم أقدر على مداعبة مواضع أشواقه وتطلعاته وأحلامه، التي منها يقينا حلم الديمقراطية. شحذ الذاكرة لن نستطرد هنا مطولا إلى دوافع هذا الفريق، التي تراوح بين الوقوع ضحية الجهل بالسير الاستعمارية، وبين النفاق وبيع الأمم بثمن أو آخر، وبين حمأة الرغبات الإنتقامية من عسف بعض النظم ومنها النظام العراقي.. ما يهمنا أكثر هو الإشاحة عن مزاعمه ومطاردتها أينما حلت. ما يهمنا هو شحذ الذاكرة الجمعية العربية المتعلقة بميراث العهود الإستعمارية، ولفت الإنتباه إلى أن أمهات الديمقراطيات الغربية تولت التناوب على إستعمار عالمنا العربي من أقصاه إلى أقصاه لفترات ممتدة.ولكنها لم تخلف من ورائها إلا ما نعرف ونسمع ونرى من نظم للحكم والسياسة.ولا حاجة بنا إلى مثال «الديمقراطية الإسرائيلية» الباغية. ما الذي يحمل المتنطعين بحديث الديمقراطية المقبلة مع حاملات الطائرات الأميركية على إقناعنا بأن الإستعمار أو الاحتلال (أو المنقذ!) الأميركي سيعرض على بلادنا - في حدود العراق مثلا - نموذجا مغايرا عن التجارب الإستعمارية؟ رب قائل بأن إقتلاع بعض النظم الباغية يستدعى طرق كل الدروب والأبواب والاستعانة بكل عون..ولوكان من الشيطان ذاته.. ونحن لا نشك في إستعجال بعض هؤلاء يوم الخلاص الديمقراطي. وأن منهم من هو صادق في طموحه. لكن التحرق إلى هذا اليوم، لا ينبغي له أن يصرفنا أو يصرفهم عن شروطه الموضوعية، التي ليس منها اللجوء إلى التضليل الفكري وطي التجارب أو اللجوء للشيطان. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة