الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 أيا كان مسار الحرب الاميركية ـ البريطانية الحالية على العراق، وايا كانت بالتالي نتائجها بالنسبة لنظام الحكم فيه، فمما لا شك فيه ان آثارها العربية، السياسية والشعبية والنفسية، ستكون بقدر ان لم تكن اقسى مما خلفته احداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 على الشعب الاميركي وسيكون من السذاجة ان تفاجأ واشنطن، وهي تقول انها بعد 11 سبتمبر غيرها مما كانت قبله، بأن يخرج الشعب العراقي، والشعب العربي كله، من هذه الحرب مختلفا بالكامل عما كان عليه قبلها. فهذه الحرب هي حرب عدوانية بكل معنى الكلمة، تشنها على العراق (وبالتالي على المنطقة العربية كلها) قوى اجنبية ذات اطماع استعمارية بأرض العرب وشعوبهم وثرواتهم، وضحاياها من المواطنين العراقيين والعرب حتى وان كان هدفها المعلن غير ذلك: اسقاط نظام الحكم في العراق وحتى اسقاط النظام العراقي؟! من اعطى هذه القوى حق استخدام عشرات الآلاف من القنابل ومئات الآلاف من الجنود وآلاف الطائرات والدبابات والسفن الحربية لتغيير هذا النظام ؟! وهذه الحرب غير شرعية ولا قانونية بالمعنى نفسه، بعد ان رفض مجلس الامن الدولي اضفاء اية شرعية عليها انطلاقا من ان عملية التفتيش عما يوصف بأسلحة الدمار الشامل في العراق كانت قد بدأت بنجاح وان التقارير الثلاثة التي اصدرها المفتشون الدوليون لم تحسم بوجود مثل هذه الاسلحة، فضلا عن ان شعوب العالم قاطبة خرجت الى الشوارع على امتداد الاسابيع الماضية ولا تزال للآن منددة بالحرب وبالاهداف الخاصة من ورائها. لكن ذلك يبقى قضية اخرى في كل حال فالحروب العدوانية اكثر من ان تحصى على مر التاريخ، كذلك هي الحروب غير الشرعية او القانونية فيه وعلى المنطقة العربية بالذات، ونموذجها الفاقع زرع اسرائيل جسما غريبا في قلب العالم العربي منذ اكثر من نصف قرن فضلا عن حروبها المتكررة على المنطقة واحتلالها اراضي دول عربية اخرى ولا تزال لاكثر من ثلاثين عاما حتى الآن. استعارات مكشوفة المهم، بل الفادح، هنا هو ان هذه الحرب تستعير الشعارات ذاتها التي رفعتها الدول الاستعمارية عندما غزت دول العالم الاخرى واستعمرتها لفترات طويلة من الزمن في القرون الماضية: تحضير شعوب هذه الدول وانقاذها من التخلف!! كان هذا هو الغطاء، خاصة في القرن الماضي، لنهب ثروات تلك الشعوب والسيطرة على مقدراتها وصولا حتى لالغاء هوياتها الوطنية ولغاتها ومعتقداتها الدينية، مما لا تزال آثاره بادية للعيان حتى الآن بعد عقود طويلة من انتهاء الاستعمار المباشر واستبداله بما يسمى بالاستعمار غير المباشر. لا تقول الولايات المتحدة، ومعها بريطانيا، عن حربها على العراق الآن الا ان غايتها ليست اسقاط نظام الحكم في العراق واقامة نظام بديل فقط وانما تعليم الشعب العراقي - وبعده شعوب المنطقة العربية كلها - مبادئ الديمقراطية الغربية وقيمها واساليب الحكم فيها، اي ما يوصف اميركيا وبريطانيا بأنه «تحضير» هذه الشعوب على طريق اخراجها من الظلامية والتخلف اللذين تعيش فيهما وادخالها «العصر الحديث» للعالم الغربي. تدليلا على ذلك تتحدث السيناريوهات الاميركية عن عراق ما بعد الغزو بلغات مختلفة، بل ومتباينة في الكثير من الاحيان، اذ هي تطرح مرة تعيين حاكم عسكري اميركي لفترة محدودة من الوقت، ومرة تقسيم العراق الى ثلاث مناطق يعين على كل منها حاكم عسكري او مدني، ومرة اقامة مجلس استشاري من عدد من المعارضين العراقيين تكون مهمته تقديم المشورة للحكام الخارجيين العسكريين او المدنيين. لكن ايا منها لم يتحدث عن ثروات العراق بعد الغزو، وبخاصة عن النفط الذي فيه يقدر بأنه ثاني اكبر احتياطي في العالم، مع ان الحديث في الكواليس السياسية والاقتصادية للعالم لا يدور الا حول هذه الثروات، فضلا عن ان معظم التظاهرات الشعبية في الولايات المتحدة بالذات وفي مدن وعواصم اوروبا رفعت لافتات تقول علنا وبالفم الملآن: لا لبذل الدم من اجل النفط، بل ان واشنطن ولندن، عندما اضطرتا للحديث عن تكاليف الحرب التي تشنانها، وهي باهظة بحسب تقديراتهما، فانهما قالتا بصريح العبارة انهما ستستوفيان هذه التكاليف من عائدات النفط العراقي.. اي من حساب الشعب الذي يريدان بهذه الحرب «تحضيره» ديمقراطيا و«تحديثه» على اخراجه من دائرة التخلف ثم ادخاله العصر!! المهم ايضا، والفادح بدوره كذلك، ان الولايات المتحدة - ومعها بريطانيا - تدرج هذه الحرب في اطار «الحرب على الارهاب» التي اعلنتها واشنطن بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر ووضعت لها عنوانها هو «محور الشر» برغم انها لم تتمكن من تقديم اي دليل جدي (وبالذات بالنسبة للعراق) على طبيعة هذا الشر ولا حتى على مجرد وجوده كما وصفته وفي الادبيات الاميركية التي تلت احداث سبتمبر في واشنطن ونيويورك، وهي اكثر من ان تحصى، ان هذا «الارهاب» لم يكن يعني يوما بالنسبة لها غير المسلمين عموما والعرب خصوصا، وان الحرب عليه تعني في جملة ما تعني كل من يجرؤ على ان يقول لا للولايات المتحدة وسياساتها في العالم.. وايضا لاسرائيل في حربها القمعية للشعب الفلسطيني المناضل من اجل حقوقه الشرعية والمعترف بها دوليا. شعار فارغ موقف الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش لهذه الناحية كان بالغ الوضوح، الى حد الوقاحة، على امتداد العامين الماضيين، كما انه لم يتغير حتى وهو يعلن في الفترة الاخيرة - للتمويه، ولتسهيل امر حربه الحالية على العراق - انه بصدد اعلان وتحريك «خريطة الطريق» التي اتفقت عليها اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة لاقامة دولة فلسطينية على مراحل تنتهي في العام 2005. قال بوش، وهو يقدم وعده الجديد، ان خطته لتحريك «خريطة الطريق» تتوقف على الوقف الكامل والنهائي لـ «العمليات الارهابية» من قبل الفلسطينيين بعد ان يكون رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد محمود عباس (ابو مازن) قد تولى صلاحياته كاملة وقام عمليا بمعالجة هذا الامر. وعندما تبرز حاليا، وفي الوقت ذاته، قضية الاسلحة النووية في كوريا الشمالية وتعلن حكومة بيونغ يانغ رسميا انها تملك هذه الاسلحة وستواصل العمل على تطويرها، بينما تكتفي حكومة بوش بطرح تسوية سياسية، لا عسكرية، معها على خلاف الوضع مع العراق، فلا تفعل المفارقة هنا الا انها تقدم معطى جديدا لمن يقولون - في اميركا وفي غيرها - ان هدف الحرب على العراق ومن خلاله على المنطقة هو الاسلام كدين والعرب كقومية وكشعب. اكثر من ذلك فما شهدته الولايات المتحدة، ولا تزال، من تمييز ضد كل عربي ومسلم وضد كل من هو من اصل عربي او مسلم في طول البلاد وعرضها، لا يصب عمليا الا في هذا الاطار برغم كل المحاولات الاميركية للتقليل من اهمية هذه الحقيقة او لنفيها. ان شعار «العداء لاميركا»، الذي طرحته دوائر البيت الابيض والبنتاغون ومجلس الامن القومي وغيرها بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يكن اكثر من شعار فارغ ومن دون اي مضمون بدليل انه طرح بصورة سؤال «لماذا يكرهوننا ؟»! وعندما كان يأتي الرد عليه في صيغة ان احدا لا يكره اميركا، وان الكثيرين في العالم وليس في المنطقة وحدها يكرهون السياسة الاميركية، كان بوش وطاقمه من الصقور في الادارة الحالية يسدون آذانهم لكي لا يسمعوا هذا الكلام بينما يواصلون سياساتهم اياها خاصة في ما يتعلق بقضية الشعب الفلسطيني وحرب الابادة الكاملة التي يتعرض لها. حول قضية فلسطين، وربما حول اية قضية عربية اخرى، لم يحدث اطلاقا ان تغيرت سياسة اميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر عما كانت عليه قبله، بينما كان حديثها الدائم في العالم كله (وفي مواجهة معارضيها في اوروبا وفي مجلس الامن الدولي وغيرهما ) انها بعد ذلك التاريخ غير ما كانت عليه قبله. لماذا !، لأن تنظيما معزولا مثل تنظيم «القاعدة» المتطرف قام بفعلته المجنونة في ذلك اليوم من العام 2001 ضد كل من واشنطن ونيويورك. هل يجب ان تكون تأثيرات هذه الحرب ضد العراق، وهي حرب مجنونة فعلا لأنها مرفوضة من كل شعوب العالم والكثير من دوله، اقل من ذلك بالنسبة للعرب في المنطقة وللمسلمين في العالم ؟. ـ كاتب لبناني