الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 في لحظة من لحظات الزمن الصعب، وفي محاولة ذاتية للالتفاف على الالم، والتحامل على مشاعر الحزن ازاء ما يحدث لاخوتنا في العراق وفلسطين، تبنى مركز التدريب الاعلامي بـ «البيان» دورة «قوة الكلمة وجاذبية الحرف» ليقدم للمشاركات جرعات تعليمية في كيفية تطويق أزمة الافكار المادية التي اوصلت العالم إلى طريق مسدود من خلال وقفة جادة امام الكلمة المسئولة لاكتشاف دورها في تفعيل وجود الانسان المنتمي إلى هذه الامة المثقلة بالجراح. لقد اهتمت الدورة التدريبية بالبحث في دور الافكار في تجويد الحياة بحثاً عن دفء الحوار وعن الحكمة في زمن فقد ثقته بها وزهد فيها ونظر اليها كشيء زائد عن الحياة. ولقد كان تقديم الدورة في هذا الوقت الحرج سباحة ضد التيار، وانتفاضة سلمية على الحلول الجزئية التي تدافع عن الافكار الناقصة وتكتفي بالتشخيص دون ان تصف العلاج. في دورة «قوة الكلمة» تصالحنا مع الكلمة المسئولة ورأيناها نتاجاً طبيعياً للافكار العميقة الصالحة لكل زمان ومكان. وحتى لا نفقد صلتنا بالواقع قرأناه من زاوية اختبار الاسباب التي ادت اليه والتي كان من اهمها التضحية بالانسان عقلا وروحا وكيانا مستقلا في مقابل المادة. ولم يكن عسيراً علينا في هذا البرنامج الذي رعته مؤسسة «البيان» ان نتأكد ان ما يحدث اليوم في هذا الكوكب البركاني الثائر على نفسه يعود لقفز الانسان فوق الثوابت واختراقه للقيم الاخلاقية وضربه لها عرض الحائط اثناء اندفاعته المسعورة نحو المزيد من الثروة والسلطة والنفوذ!! لقد سقطت المادة واسقطت اصحابها الذين بدوا عاجزين عن تقديم اجابة مقنعة للسعار الذي اصابهم ودفعهم للعدوان على ارض الغير دون جرم أو ذنب او خطيئة. لقد ظهر وجه الفكر المادي القبيح خالياً من المساحيق ومحاولات التجميل التي فشلت كلها في تغيير ملامحه غير الانسانية وفي اقناع الآخرين بالرسالة الاستئصالية والمهمة العنصرية التي تريد انجازها في العراق. وفي حين تساءلنا كغيرنا من هذه الجموع الغاضبة عن سبب سيادة هذا الفكر الرديء وتفوقه على فكرنا المشرق الداعي إلى صيانة كرامة الانسان والحفاظ على حقوقه جاءنا الرد الحاسم والاجابة القاطعة التي حملت اتهاماً صريحاً بعجزنا عن استيعاب المخزون الثقافي والقيمي الذي نملك، وسذاجتنا المتناهية في استثمار ذلك المخزون والتعامل معه بكفاءة وجدية تتناسب مع قيمته وقدرته على جلب الاستقرار لهذه الارض الحائرة بمن فيها، المثقلة بأنواع الظلم والامتهان للكائن البشري الذي عانى الويلات فوقها لا لسبب الا لان منطق الاقوياء صيَّره في عيونهم كبش فداء يذبحونه بين يدي شهواتهم، ويقدمونه قرباناً لاطماعهم الاستعمارية التي بدت للعيان!! ومن عجائب الايام اننا ولاكثر من مئتي عام ظللنا نراوح في علاقتنا مع الثروة الثقافية التي نملك والمباديء العليا التي ننتمي اليها عند مستوى الحدود الدنيا من التواصل دون ان نتقدم ونمهد لميراثنا من الافكار والقيم لكي تبقى صمام الامان ضد الانفلات والفوضى والاخطاء. ولكي يمثل احترامها في واقعنا مرحلة اولى من مراحل استعادة هذا الكوكب المستعمر «بفتح الميم» من قبل غلاة المادية المستخفين بالحرمات والاوطان. ان قوة الكلمة من قوة الفكر، والفكر الذي لا يجد من يروج له ويتبناه ويحترمه ويتمثله في واقع الحياة هو كنز مهمل حتى اشعار آخر. واليوم ليس لنا من خيار ان اردنا ان نوقف هذا النزيف الحاد في كياننا الضعيف الا ان نتصالح مع الافكار العليا التي ترعى الاخلاق وتخاطب في الانسان اجمل ما فيه من نوازع الخير وتدفعه لتمثيل ادواره كاملة برؤية واسعة، وعقل متفتح، وعاطفة ترتبط بمصالح الآخرين وتخفف من نوازع الانانية والحب الاعمى للذات. لقد كانت هذه الكلمات هي الرسالة التي قدمتها دورة قوة الكلمة في زمن ضعفت فيه الكلمة لخواء قائلها وسذاجة تفكيره!!