الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 من الظواهر الغريبة ـ بل والشاذة ـ تلك الهواية التي انتشرت منذ عهد ليس ببعيد بين بعض الشباب الذين دفعهم الفراغ ـ الزمني والعقلي ـ الى التسابق بسياراتهم مطفأة الأنوار في الظلام ليلا، والتي أثمرت عددا من الحوادث المؤسفة..، وعلق عليها عدد من الكتاب والمفكرين بالنقد والاستنكار محذرين من عواقب هذه الصرعة المستوردة! والواقع.. وواقع الواقع.. يؤكد أن هذه الظاهرة ليست جديدة.. وليست بدعة.. وليست مستوردة، وهي أيضاً لم تعد قاصرة على الشباب والمراهقين، فقد انتقلت من الصغار الى الكبار، وتحولت من صرعة (غربية) الى عادة (عربية) أصيلة يمارسها الزعماء والحكام في بلاد العالم الثالث بمهارة يحسدون عليها، وشيئا فشيئاً أصبح التسابق في الظلام رياضة سياسية (بعد أن كانت شبابية) يتسابق فيها زعماء محترمون وحكام ملء السمع والبصر، ويحققون فيها أرقاماً تنافسية تسجلها موسوعة (جينس) أولاً بأول..! ولتوضيح الأمر.. وحتى لا يحدث لبس في الفهم، فان تسابق الزعماء المذكورين لم يعد تسابقا في الظلام.. ولم تعد وسيلته السيارات.. ولم يعد مكانه وساحته شوارع وميادين المدن، فهذا أمر تركوه للصغار والمراهقين، ربما ترفعا عن هذه الرياضة (شكلا).. وربما للتفرغ الى سباق ظلام أجدى وأنفع في واقع حياتهم السياسية يؤمن لهم البقاء في كراسي الحكم حتى يؤكد لهم واقع الحياة الدنيا بأن البقاء لله..! في الظلام يتسابق (الكبار) على أبواب البيت الأبيض.. وعلى أبواب بيوت أخرى مختلفة الألوان والاتجاهات، كلُّ يحتمي بالظلام من عيون المراقبين والحاسدين ليطرق الباب.. ويقبل الأعتاب.. ويصافح الأحباب.. ويتبادل الأنخاب، ثم يقدم (العطاءات).. ويؤكد الولاءات.. ويخرج محملاً بالوعود والتوجيهات.. المرفقة بالمنح والمعونات..! وكما هو الحال في سباقات الصغار في الظلام، حين تحدث التصادمات والمفاجآت، فإن سباقات الكبار أيضا لا تخلو من الصدامات والمفارقات، حين يفاجأ الواحد منهم بالآخر متلبسا بارتكاب ما يفعله هو نفسه، متسترا مثله بالظلام، متصورا ـ كما تصور هو ـ أن لا ضوء يكشفه ولا أحد يراه..، فلا يكون أمام كل منهما عند هذه المواجهة غير المتوقعة الا عقد معاهدة سريعة تنص على تبادل الصمت.. وعلى التمسك بأهداب الستر، حتى لا يفضح كل منهما الآخر.. وحتى لا يفتح اعلام أي منهما النار على الآخر فكلاهما (في الهوا.. سوا).. طبقا للمثل القائل: «لا تعايرني ولا أعايرك.. الهم طايلني وطايلك»! واذا كان أملنا بالنسبة للصغار معقودا على شرطة المرور لردع المتسابقين منهم في الظلام، فإن أملنا بالمقابل مفقود في غياب شرطة للمرور السياسي، خاصة بعد أن عمد المتسابقون الكبار الى تأمين طرق سباقهم.. باظلامها.. وبتكسير كل عمود للنور فيها، حتى يضمنوا لتسابقاتهم ولأنفسهم الستر والأمان.. وحتى يأمنوا شر الفضيحة وانكشاف المستور..! قد يكون للمتسابقين الصغار عذرهم تحت ضغط مرحلة مراهقة سيفيقون منها يوما من الأيام، أما سباقات الكبار فلا أمل في خلاصهم من سحرها وادمانها، فقد أصبح التسابق الى من بيده مفاتيح كراسي الحكم أمرا ضروريا تتجدد الحاجة اليه كلما ادلهمت الأمور في بلادهم تحت ضغط شعوبهم.. أو حين ينتهي العمر الافتراضي لصلاحية بقائهم في الحكم.. أو حتى صلاحيتهم هم انفسهم للبقاء على سطح الحياة! بقي أن نقول ان المتسابقين في الظلام ليسوا دائما من السياسيين، هناك ايضا طائفة (مدنية) منهم تنتشر في مختلف مواقع العمل، وتسابقاتهم هنا لا تختلف كثيرا عن تسابقات السياسيين، الاختلاف فقط هو في نوعية الأبواب التي يتسابقون اليها في الظلام، أبوابهم هذه مكتوب عليها (الوزير).. أو (الوكيل).. أو (المدير)، واليها يتسابق المتسابقون وأنوارهم مطفأة حتى لا يكشف بعضهم بعضا، لا يكلّون.. ولا يملون.. ولا يقنطون، انهم يؤدون نفس الطقوس والخطوات.. يتقدمون بالتقارير السرية.. والمعلومات الخاصة.. ويعرضون النصائح والخدمات، وكلهم واثق من انفراده بالمكافآت.. وبالعلاوات.. وبالترقيات، الى جانب الرضاء السامي الذي لا يماثله الا رضا صاحب البيت الأبيض الكبير عن رؤسائهم وحكامهم أصحاب الخبرة الاولى في سباقات الظلام..! وزمان قالوا «يعملوها الصغار.. ويقعوا فيها الكبار».. وهذا ماحدث ويحدث الآن..!