الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 ارتبط تأسيس وبناء الحضارات الانسانية بقيم السلام والتسامح والعدل والاخاء، ووجود مشروع للنهضة منفتح على الآخر، ومتجاوز للحدود الاقليمية وحتى لقيود الزمن، بربطه ما بين الدنيوي والاخروي، حتى لا يغرق في قاع مادية ضيقة الأفق. على العكس تماما، انهارت امبراطوريات كانت لا تغرب شمسها، حتى ابتلعها قدرها المحتوم، وصارت حديثا من احاديث الماضي، كونها تحولت الى جسد له خوار دون عقل يضبط ايقاع حركته ويقوده، ويحول دون اندفاعه الجنوني للانتحار. قيام الحضارات رسالة انسانية يتنادى لأدائها الكمّل والابطال وقادة الاصلاح والفلاسفة، رواد التنوير والتجديد والاصلاح، ويتكفل بتشييد اركانها قادة وابطال تاريخيون منحهم الخالق موهبة البناء والاعمار لا التدمير والحرق واشعال نيران حروب الاحقاد والاطماع. الحضارة كما حفر التاريخ رسمها ونقش اسماءها على جدران ذاكرة الانسانية، ليست بوارج وأساطيل وكل ما له صلة بعمليات التدمير والسطو الجماعي المسلح على أمم وشعوب، بل هي نتاج اريحية وذوق مفعم بأريجه الانساني العطر، وحدس مستقبلي ووعي يقظ بالتاريخ، واحساس والتزام صارم بالمسئولية تجاه الانسان، وقناعة مطلقة بالواجب بصرف النظر عن التزاماته او ما يترتب على ادائه من تبعات، حتى لو كان اداء الواجب يجلب مصلحة ومنفعة لمن لا يستحقها. حضارات الانسان، بعضها دارت عليه دورة الزمان، ودخلت في طور التحلل والانهيار، واندثرت ـ ولم يبق منها سوى اثار متحفية، واخرى تكافح للنهوض من تحت الرماد كطائر «العنقاء» الخرافي، لتعيد لنهر العطاء جريان تيار مياهه العذبة. الامبراطوريات التي قامت على فعل الغزو البربري، واجتياح مدن الحضارة، زالت وانهارت ودخل قوادها سلة مهملات التاريخ، وفتح لهم كتاب، سوداء صفحاته الى جوار مجرمي الحرب من عتاة البرابرة بطول مسيرة تاريخنا من ابرهة الحبشي مرورا بالاسكندر الاكبر المقدوني وقيصر روما وهولاكو المغولي وكل قادة الغزوات الصليبية، حتى زعماء عصابات الارهاب الصهيوني التي تنتظر الاندثار، بفعل قوانين التاريخ الانساني. الحضارات الفاعلة المسكونة بهم العطاء واثراء ميراث البشرية، تمتلك قدرات داخلية تصحح مسارها، وتتجاوز محنها، قد تنكمش تحت وطأة الهجمة البربرية، لكن سرعان ما تنتفض لتواصل مسيرة العطاء. هكذا، قامت بغداد من تحت ركام وانقاض ما خلفته الغزوة المغولية التتارية، واعادت بناء حصون الحضارة، والثقافة، وجددت دار الحكمة، بعد ان مزق المغول كل ميراثها من الكتب واغرقوها في نهر دجلة. اندثر هولاكو، وتشتت جيوش التتار، وزالت امبراطورية المغول، وبقيت لبغداد وضاءة الحضارة العربية الاسلامية. نسي التاريخ الوجه الكالح الوحشي لهولاكو، وبقيت وجوه، حمورابي، الكندي الفيلسوف، والشاعر المتنبي، الامام ابو حنيفة النعمان، الامام أحمد بن حنبل، القاضي ابو يوسف صاحب كتاب «الخراج» حاضرة وضاءة بعطائها واسهامها في الحضارة الانسانية. بغداد المعاصرة .. بغداد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف، وناظم الغزالي وغيرهم كثيرون من رواد الشعر والثقافة، بغداد الالفية الثالثة لن تسقط في قبضة اي حفيد من احفاد البرابرة التتار، حتى وان دكت منازلها فستنهض عفية ملبية لنداء الحضارة صامدة في وجه الغزاة. خلاصة الملحمة والمأساة ان الحقيقة هي الضحية الاولى دائما لغزوات البرابرة. هذا ما لخصه ضمير يقظ لفنان اميركي مسكون بنداء الحضارة وواع بمسئوليته تجاه التاريخ، عندما ارتدى شارة الحداد السوداء يوم تكريمه بحصوله على «الاوسكار» عن احسن فيلم وثائقي وقال لرئيسه الاميركي بوش: عار عليك. المخرج مايكل مور قال لبوش: أيها الرئيس غير المنتخب من اغلبية الاميركيين، لقد ضقنا ذرعا بخداعك واكاذيبك لمدة 440 يوما.. لم نشهد عراقيا واحدا يهددنا، فلماذا تشن حربك ..؟