الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 الصورة التي يرسمها بوش للولايات المتحدة بشعة جداً، لا تخرج عن صورة كاوبوي أسكرته فكرة القوة الطاغية التي يمتلكها فتخيل ان من حقه أن يفعل ما يريد لمن يشاء وكيفما يشاء، فالاميركيون يتصورون أن العالم العربي والإسلامي تحديداً ليس أكثر من غابة يسكنها عرب حمر ارهابيون، ينبغي الخلاص منهم تحقيقاً لنبوءة السلام واستقرار أميركا ورخاء الأميركان! أما الصورة التي رسمها مخرج الأفلام الوثائقية (مايكل مور) لهذه الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة، فهي الأصدق، لأنها شهادة أهل الدار على من فيها، ففي اللحظة التي تسلم فيها المخرج الأميركي جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وجه كلمته للرئيس بوش قائلاً: نحن الأميركيين نعيش في زمن زائف، ونشن على العراق حرباً زائفة، لأننا يحكمنا رجل جاء إلينا بانتخابات زائفة ليدفعنا إلى هذه الحرب، نحن ضد الحرب، فهذه الحرب ليست حربنا، انها عار عليك يا بوش!! ومايكل مور رجل أميركي، أبيض، متحضِّر، يعيش في الولايات المتحدة التي يدعي صقور البيت الأبيض يومياً بأن العراق يهدد أمنها وسلامها وحضارتها وقيمها! لكنه عندما تحدث فإنه كان يعبر عن أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة الرافضين للحرب، والذين تزيف مراكز قياسات الرأي نتائج استطلاعات رأيهم فتنشر نتائج ليست دقيقة دائماً، كما يقول المفكر والمعارض الأميركي نعوم تشومسكي! وفعلاً، فما يفعله جنود أميركا وبريطانيا في العراق ليس حرباً، انه عدوان غير مسبوق في التاريخ بهذه الوحشية واللاانسانية، انه العار الحقيقي الذي ترفضه شعوب العالم التي تتبرأ منه رافعة في شوارع أكثر من 600 مدينة شعار «هذه الحرب ليست باسمنا»!! حرب بوش هي الصورة المقابلة للهمجية في أبشع صورها، انها حرب اليانكي المملوء بفكرة السيطرة على الشعوب «البدائية»، انه اليانكي يكشف عن بدائيته ولاانسانيته، لكن الصورة المقابلة للشعب العراقي وهو راسخ في أرضه تكشف كل الزيف، فلا هروب جماعي كما يفعل الآخرون عند أول طلقة صاروخ، ولا نزوح على الحدود، ولا لاجئون في خيام الاغاثة، انه العراقي يموت في أرضه كما تموت النخلة واقفة حينما يكون الموت رديفاً للكرامة، برغم المحن، وليل الظلم الطويل، وسنوات الحرمان والحصار الأميركي الجائر! البارحة، كانت حملة التضامن مع أهلنا في العراق، والتي نظمتها مؤسسة الشيخ محمد بن راشد للأعمال الخيرية بالتعاون مع تلفزيون دبي، مؤشراً على احتضان الروح للروح، وعشق الدم للدم، ومع ان أحد أركان النظام العراقي قد صرح بأن العراق لا يريد مساعدات بقدر ما يحتاج موقفاً عربياً حاسماً، فإننا نعتقد بأن من حق العراقيين أن يقولوا ذلك، فالعراق بلد الخير وصاحب ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، وما هذه الحرب المجنونة التي تشن عليه إلا للسيطرة على تلك الثروة وذلك النفط، ووحدهم الأميركان من أوصل العراق الى حافة الهاوية! من حق الكبرياء العراقي أن يشمخ في أقسى ظروفه، وأحلك لياليه، لكن من حقنا أن نقف الى جانبهم ولو بضوء شمعة! نعلم بأن كل الأموال وكل الكلمات والغضب والأسى لا يوازي انتزاع الأرواح على الهواء مباشرة، ولا يوازي حصاد الأجساد البريئة بأسلحة الدمار الشامل، ولا يوازي انفجارات الجماجم الصغيرة بالقنابل الأميركية العنقودية، لكنها الحرب القذرة، التي نعلم أيضاً بأن العراقيين فتيلها ونحن جميعاً محرقتها ووقودها، والأيام حبلى بالمفاجآت!! فيا أهلنا في العراق: عليكم السلام والرحمة والأمان، ولكم الدعوات الصادقة بأن تصبروا وتصابروا، فأنتم تعبرون نيابة عن الأمة منعطفها الأخطر، الفكرة مقابل الدبابة، والثقافة مقابل الموت، والحضارة مقابل التوماهوك، والانسان مقابل الاجتثاث، لذلك تقفون وحدكم كالرمح في العراء، كما وقفت فلسطين قبلكم، وكما وقفت بيروت، وكما ستقف عواصم أخرى في الطريق. يا أهلنا في العراق: أنتم وحدكم إلا منَّا، نحن الشعوب التي تبارك صمودكم خوفاً.. وحباً.. وعجزاً.. وقهراً!