الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 اتسمر امام الشاشة الفضائية متابعاً نشرات الاخبار المتوالية، محاولا قراءة ما بين السطور، ذاهباً بافكاري بعيداً بعيداً، وفي لحظة اعود ادراجي الى حقيقة وضعي فماذا ارى؟ لا ارى سوى الصمت، صمت المقابر من المحيط الى الخليج، وكأن شيئاً لا يحدث على ارض الحضارات، لقد بلغ بنا الذل الى درجة أن الواحد منا اصبح يخاف الوهم الذي يصنعه بنفسه. ولا يقيمُ على ذلٍّ يُرادُ به إلا الأَذِلاّنِ عَيرُ الحيِّ والوَتَدُ اتساءل ومثلي الملايين اين هي الامة العربية واين هي الامة الاسلامية بقضها وقضيضها؟ واين هو التاريخ المليء بالبطولات في ساحات القتال؟ واين هي المواقف الرجولية التي تغنى بها ديوان العرب على وجه الخصوص؟ هل هي من صنع المخيلة الخصبة التي عرفت عن عربي الصحراء؟ ام هي اضغاث احلام، تناقلتها اجيالنا الى ان وصلت الينا لنتغنى بها على اطلال الامة المنكوبة، وهذه النكبة من الذي ساهم في خلقها فأخنت علينا واغرقتنا في خضم اليأس والاحباط. ـــ لقد تصورنا في يوم من الايام ان عنترة العبسي موجود بين ظهرانينا، وان خالد بن الوليد لا يزال حياً بيننا، وان صلاح الدين الايوبي يطرق ابواب القدس ليقول للغازي عد من حيث اتيت. ها هي دار السلام تغرق امام اعيننا ونحن نتفرج عليها وهي تغرق، وكأن الامة العربية برجالها ونسائها مجموعة ارامل، عزّل من القوة لا ترى امامها من مناص سوى الندب والبكاء. ومن الكوفة في العراق ارض الحضارات، يأتي صوت المتنبي ليذكرنا: وإذا لم يَكنْ من الموتِ بُدٌ فَمِنَ العَجْزِ أنْ تَموتَ جَبانا وقبل هذا البيت بيت يقول: كُلما أنبتَ الزمانُ قناةً ركَّبَ المرءُ في القناةِ سنانا كانت لنا قنوات ذوات اسنة نسميها الرماح، ولكم اليوم قنوات لها ألسنة ادمنت النواح، ان قنواتكم دأبت على الترويع لا على التشجيع، وعلى التعوية لا على التوعية، وهي على ممالأة العدو احرص منها على مناوأته، وعلى قتل الشقيق احرص منها على حمايته، وبلسان العدوان والطغيان انطقُ منها بلسان الحق والصدق. اليس بين مليار من العرب والمسلمين صوت واحد يصدع بأمر الله؟ او لسان واحد يجرؤ على الشكوى؟ وكيف يجهر بالحق العربي كرادلة الفاتيكان، ويجمجم به مشايخ الازهر؟ ثم كيف لا تخجلون وانتم ترون «شارل مان» ينتصر لامجاد الرشيد، وانتم تظاهرون من يريد تدمير تلك الامجاد؟ ان الظروف السياسية تمنحكم الان فرصة نادرة فاهتبلوها، وتضع بين ايديكم سانحة رابحة فاغتنموها، فالغرب اليوم شطران: شطر يغير عليكم، وشطر يقاوم الاغارة، فانصروا انفسكم بنصر من ينصركم. انكم لا تكتفون بمؤازرة العدو في العلن، بل تحاربون انفسكم في السر. اقل ما تطلبه منكم هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، هو ان ترفعوا شكوى الى مجلس الامن باسم «الدول الاسلامية مجتمعة» هذا المجلس الذي اصدر عشرات القرارات التي دانت اسرائيل ولم تنفذ، وبعض القرارات التي دانتكم، ونفذت قبل ان يخمد حوارها، وينطفيء سعارها، ويجف الحبر الذي كتبت به، اما اذا ما خفتم حق النقض «فيتو» يمارسه «ناقض الحق» فلا اقل من دعوة الجمعية العامة وفقاً لميثاق الامم المتحدة والشرعية الدولية. المطلوب ان تستنفروا حمية الامم والحكومات، لتحمي حضارة عمرها خمسة الاف عام. فاذا كنتم لا تتحمسون لبابل وآشور فثوروا للرشيد والمأمون، ثوروا لحماية «دار الحكمة» و«نحو» البصرة و«فقه» ابي حنيفة، و«نخوة» المعتصم و«اوزان» الخليل الفراهيدي، و«قصور» المتوكل و«عتبات» النجف الاشرف، فمن يقصف اليوم النجف وكربلاء يقصف غداً «مكة المكرمة» و«المدينة المنورة». ومن يحفر اليوم تحت المسجد الاقصى، سينقضُّ غداً على الحرمين «المكي والنبوي». ـــ المطلوب نفرة صادقة لحماية الامة، نفرة لا يخاف من ينفرها من اتهام بالارهاب، ولا تحمله اراقة نقطة من دم. طلب يقدمه عربي او مسلم فيه بقية من مروءة، يقدمه الى ممثلة الشرعية الدولية «هيئة الامم» يطلب فيه مناقشة الاخطار التي تتعرض لها حضارة العرب والمسلمين في العراق، ومهما تكن النتيجة التي يفضي اليها الحوار فانها لن تعود على الامتين العربية والاسلامية الا بالخير. وحينئذ تكف المروءة عن البكاء والابوة عن الرثاء، ويقلع شاعركم عن انشاد ما انشد: مررتُ على المروءة وهي تَبكي فقلت: عَلامَ تنتحبُ الفتاةُ» «فَقَالتْ: كيفَ لا أبْكي وأهلي جميعاً دون كُلِّ النّاسِ مَاتوا» وبعدَهُمُ فلا تبقى حَياةٌ لِمثْلي أو تَطِيبُ لَهُ الحياةُ إذاً، دَعْني أموتُ وسِرْ برحلي إلى بيتٍ يطولُ به السُّبَاتُ