الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 في وقت الحرب تكون الحقيقة ثمينة جداً، الامر الذي يتطلب حمايتها بحرص شخصي من الاكاذيب هذه مقولة مشهورة للسياسي البريطاني، المحنك وينستون تشرشيل. يقال كذلك ان الحرب اولها كلام. ويستوقفنا التاريخ عند نابليون بونابرت عندما دخل مصر غازيا واحضر معه من باريس مطابع لاصدار صحيفة يكمل من خلال صفحاتها عمله الاستعماري ويسيطر من خلالها على الافكار والعقول ويمارس الحرب النفسية والدعاية والتضليل والتعتيم. ففي اوقات الحروب تتداخل خيوط الاعلام مع الدعاية مع الحرب النفسية. والحرب بدون اعلام تبقى مبتورة ومعتوهة، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الاشكالية: اشكالية الحرب والاعلام، هو اي اعلام يتلقاه المشاهد او القاريء او المستمع في العدوان على العراق هذه الايام؟ وهل من موضوعية وحرية في نقل احداث ووقائع الحرب؟ وهل من استقلالية في معالجة القضايا والمسائل التي تحيط بالحرب خاصة وانه يقال «الحرب خداع». ففي هذه الايام يجد المشاهد او القاريء نفسه امام سيل من الاخبار والمعلومات محشوة بالتناقضات وتضارب في الاخبار والمعلومات والاحصائيات والمعطيات ووجهات النظر. فالحرب النفسية تفرض نفسها على منطق الموضوعية والحياد، ويصبح كل طرف متورط في الحرب يعمل جاهداً لكشف ما يخدمه ويخدم قوته وتفوقه في الحرب، وهذا من اجل رفع معنويات الجيش والشعب وكل من يتعاطف معه، وضرب معنويات الخصم. من جهة اخرى نلاحظ ان الطرف الاخر في الحرب يخفي خسائره وضحاياه ويركز على النجاح والنتائج التي حققها. بطبيعة الحال ما دام ان الحرب خداع فإن كل شيء مباح للنيل من العدو ولو تطلب ذلك الكذب وممارسة الحرب النفسية والدعاية والتضليل والتعتيم. فتتضارب الارقام والمعلومات والاخبار وحتى عملية التأكد والتدقيق فيما تقدمه المؤتمرات والبيانات الصحفية تبقى صعبة وليست بالأمر السهل. قصة «المجمع» اثناء حرب الخليج الثانية سنة 1991 تحكم البنتاغون في التغطية الاعلامية للحرب كما شاء ووفق ميكانيزمات محكمة سمحت له ان يختار وينتقي الاخبار والاحداث والوقائع التي تخدم وجهة نظر واهداف الولايات المتحدة الأميركية. البنتاغون استعمل ما يسمى بالمجمعات الصحفية واتخذ من سي. ان. ان «الناطق الرسمي له» وبذلك لم تتحكم اميركا في العمليات العسكرية فقط وانما تحكمت في الصورة وفي احداث ووقائع الحرب. هكذا اذن في الأزمات تختفي مباديء كثيرة يتعلمها الصحافي في مقاعد معاهد وكليات واقسام الاعلام والاتصال الجماهيري. الصحافي في زمن الحرب مقيد بالمسئول العسكري الذي يوجهه الى المناطق التي يريدها وقد يتدخل حتى في الرسائل التي يرسلها إلى مؤسسته الاعلامية. في حرب الخليج الثانية تابع العالم وشاهد وقائع الحرب من خلال عيون اميركية وهنا ضاع الإعلام وسيطرت الدعاية والحرب النفسية على نشرات الاخبار والصفحات الاولى من صحف وجرائد العالم. فما كان يرسله الصحافيون إلى مؤسساتهم الاعلامية كان يخضع لرقابة البنتاغون وكل ما كان يتناقض مع وجهة نظر الأميركيين كان يوسم «بعدم الصلاحية للنشر لأسباب أمنية». فحرب الخليج الثانية كانت حرباً على مستوى العقول والافكار والرأي العام قبل ان تكون حرباً في الميدان واستطاعت اميركا بخبرتها وقدراتها الدعائية والتضليلية الفائقة على التحكم في عقول البشر من خلال التحكم في صور الحرب ووقائعها. فالمراسلون الذين قاموا بتغطية حرب الخليج الثانية كانوا يعتمدون في عملهم الاعلامي على توجيهات البنتاغون وعلى المؤتمرات الصحفية والبيانات التي كانت في معظمها تخفي اشياء كثيرة وتركز على اشياء اخرى ليست بالضرورة صادقة ودقيقة وموضوعية. هذه التبعية لا تسمح للصحافي ان يحافظ على نزاهته وموضوعيته، وبذلك فإنه يجد نفسه مستعملاً ومستغلاً ومبتزاً من قبل تجار الحروب والاسلحة. الحرب الاعلامية الاميركية كالعادة وحسب تقاليد الحروب بدأ الولايات المتحدة الاميركية التحضير للحرب منذ زمن طويل وتكاثفت هذه الجهود بعد احداث 11 سبتمبر واعلان الحرب على الارهاب. فتارة يتهم العراق بعلاقاته مع القاعدة وتارة اخرى تنشر اخبار مفادها ان اسامة بن لادن موجود بالعراق كما اتهم العراق منذ انتهاء حرب الخليج الثانية بامتلاكه اسلحة الدمار الشامل، الامر الذي فشلت جحافل فرق التفتيش على مدى عشر سنوات من اثباته. وتبرر اميركا حربها على العراق بمحاولة نشر الديمقراطية في هذا البلد والتخلص من صدام حسين واكذوبة تحرير الشعب العراقي. للتذكير فقط يعمل في الجها الحكومي الاميركي اكثر من 9 آلاف اعلامي، وهناك اكثر من ألف و500 رجل اعلام وعلاقات عامة في البنتاغون. كما انه تم تجهيز مركز اعلامي بالقاعدة العسكرية الاميركية في السيلية بقطر بـ 5,1 مليون دولار. فالآلة الاعلامية الاميركية اشتغلت منذ زمن لكسب الرأي العام الاميركي اولاً ثم العالمي ثانياً. الرهان هذه المرة صعب حيث ان الآلة الاعلامية الاميركية لم تفلح في عملياتها التضليلية والدعائية. وفي كل مرة تلاحظ آلاف الاميركيين يتظاهرون في مختلف مدن الولايات المتحدة الاميركية منددين بالحرب وعدم جدواها وامكانية تجنبها بطرق سلمية ودبلوماسية. لكن مع كل هذا نلاحظ اصرار صقور البيت الابيض وتجار الحروب والاسلحة على مواصلة سعيهم لتنفيذ خطط السيطرة والهيمنة على النفط العراقي وعلى المواقع الاستراتيجية في المنطقة. وهنا نلاحظ تواطؤ «فوكس نيوز» وغيرها من المؤسسات الاعلامية العالمية في تهيئة الاجواء للرأس المال العالمي ولليمين المسيحي المتطرف وللصهيونية العالمية لبسط النفوذ والسيطرة على الثروات والمناطق الاستراتيجية في العالم رغم أنف ملايين البشر والرأي العام العالمي في مختلف انحاء العالم. هناك اكثر من 500 صحافي يتعاملون مع البنتاغون في تغطية الحرب الحالية حيث انه يوفر لهم النقل ويأخذهم الى مواقع الاحداث كما انه يزودهم بالملابس الواقية وغيرها من الوسائل الواقية من اي خطر ينجم عن اية اسلحة خطيرة. التعاون مع البنتاغون يعني الرضوخ والقبول بالشروط المفروضة والقوانين «الدبلوماسية» التي يحددها مسبقاً للتحكم في كل ما يكتب وما يبث عن الحرب. وعلى عكس ما حدث في حرب الخليج الثانية سنة 1991 عندما سيطر البنتاغون من خلال «سي. ان. ان» على احداث ووقائع وصور الحرب نلاحظ هذه المرة ان الاعلام العربي متمثلاً في بعض الفضائيات المتميزة والتي فرضت نفسها في السنوات الاخيرة على الصعيد الاقليمي والدولي، قد استطاع ان يعطي تلك النكهة العربية للاخبار التي نشاهدها رغم ان الصعوبات قائمة دائماً وموجودة وان طرفي الحرب يحاولان ان يؤّجها ويتحكما بدبلوماسية في مخرجات البعثات الاعلامية المختلفة، وهذا شيء مشروع في أوقات الأزمات والحروب. التطور التكنولوجي في مجال الإعلام والاتصال والدروس المستفادة من حرب الخليج الثانية جعلت بعض المؤسسات الإعلامية العربية هذه المرة في قلب الحدث وجعلتها تخبر المواطن العربي بكل ما يحدث في جبهات القتال وأولاً بأول. وهذا ما يؤكد ان التطور التكنولوجي في مجال الاتصال قد افاد الكثير من الذين ارادوا ويريدون الالتحاق بالركب. وتجربة قناة الجزيرة في أفغانستان خير دليل على ذلك. هذا في الميدان، اما في الاستديو فقد لاحظنا تطوراً نوعياً كبيراً جداً، حيث الحضور المكثف للمحللين السياسيين والعسكريين لمعالجة الاخبار وتفسيرها وقراءتها ووضعها في اطارها الحقيقي للمشاهدين والمهتمين. لكن يبقى ان نقول ان الصراع قائم دائماً بين الإعلام والدعاية والحرب النفسية والتضليل والتعتيم والتلاعب بالعقول في زمن الحرب. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة