الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 لكي تضمن إدارة بوش عدم تدخل تركيا عسكرياً في شمال العراق فإنه ينبغي عليها أن تمنع ميليشيات أكراد العراق من الاستيلاء على كركوك ـ بؤرة الثروة النفطية العراقية. لكن لكي تفتح ادارة بوش جبهة قتالية شمالية ضد القوات العراقية فإنها بحاجة إلى استقطاب دعم الميليشيات الكردية العراقية. وإذا ساعدت الولايات المتحدة الاكراد العراقيين في نهاية الأمر في خلق كيان كردي عراقي مستقل فإن العواقب لن تتوقف عند تدخل تركيا عسكريا.. فإيران قد تتدخل أيضاً لنسف الكيان الكردي العراقي حتى لا يتحول إلى نموذج يمكن ان يطمح إلى الاقتداء به الاكراد الايرانيون أيضاً. مثل هذه التداعيات الخطيرة المعقدة هي بعض مما حذر منه الناصحون ادارة بوش، منذ أن وطد الرئيس الأميركي العزم على شن حرب ضد العراق تحت ضغط رجال مثل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع وبول ولفوويتز مساعده يمثلون التحالف اليهودي مع اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة. لقد ظل هؤلاء الناصحون، ومن بينهم كتاب صحفيون في الصف الأول مثل وليام فاف واكاديميون مثل البروفيسور روبرت جنسن ورجال دولة سابقون مثل الرئيس جيمي كارتر، يقولون ويرددون القول بأنه إذا كان بوسع الرئيس بوش ان يشعل حرباً في العراق فإنه لن يعرف كيف يوقفها. وإذا كانت بواكير التداعيات التي لا يمكن التحكم فيها ظهرت داخل الساحة القتالية العراقية، فقد ثبت الآن أن سوء التقدير الأميركي لحجم ونوعية المقاومة العراقية بشقيها الحكومي والشعبي ومدى صمودها الميداني سيؤدي إلى مد أجل الاشتباك القتالي من أيام إلى أسابيع وربما إلى شهور. بناء على هذا التقدير رسمت الخطة القتالية الأميركية على أساس ان القوات الاميركية ـ البريطانية سوف تنطلق شمالاً من قواعدها في شمال الكويت في مسيرة سلسة إلى العاصمة بغداد متجاوزة المدن الواقعة على الطريق بافتراض انها لن تقابل بمقاومة تذكر. لكن ما نشاهده الآن هو أن نطاق القتال يتسع بعد أن اكتشفت القوات الغازية ان كل مدينة على الطريق تتحول إلى معركة شرسة قائمة بذاتها. على ان تداعيات الحرب مرشحة لتوسع أكثر فأكثر باحتمال دخول أطراف خارجية اقليمية بصورة عسكرية ـ وتحديداً تركيا وإيران، فالحرب الأميركية تلهب الآن مشاعد الاقليات الكردية.. في العراق أولاً وربما في تركيا وإيران ثانياً بسبب تورط الاكراد العراقيين مع الولايات المتحدة في مخططها الحربي الاستراتيجي. ما تريده إدارة بوش هو مشاركة القوة القتالية الكردية مع القوات الأميركية في الهجوم الأميركي على قوات الحكومة العراقية في الشمال.. أولاً والهجوم الأكبر المرتقب على بغداد. والمكافأة التي ينتظرها الاكراد العراقيون هو أن تساعدهم القوات الأميركية في الاستيلاء على مدينة كركوك العراقية الغنية بالنفط ـ وربما ضم الموصل أيضاً ـ لتكون العاصمة لكيان كردي عراقي أكثر استقلالا مما هو عليه الآن. لكن هذا لن يتحقق دون رد فعل تركي فوري ـ وسيكون بالضرورة الحتمية رداً عسكرياً قتالياً. ونذكر ان الولايات المتحدة فشلت في إرسال قوة كبرى من 62 ألف جندي إلى الشمال العراقي عبر الأراضي التركية بعد أن رفضت الحكومة التركية هذا الطلب، بالتالي أصبح اعتماد الولايات المتحدة الآن على دعم الميليشيات الكردية العراقية من أجل فتح جبهة قتالية شمالية ضد القوات العراقية أشد إلحاحاً أكثر من أي وقت مضى. والسيناريو المتوقع إذن هو انه بمجرد أن تزحف قوة أميركية ـ كردية (عراقية) مشتركة نحو مدينة كركوك (رغم محدودية القوة الأميركية الموجودة حالياً في الشمال العراقي) فإن من المحتم أن تعبر قوات تركية الحدود لردع الميليشيات الكردية العراقية. وعلى هذا النحو فإن الاشتباك القتالي قد يتوسع نطاقه إذا اختارت الولايات المتحدة الانضمام إلى المعركة كحليف للأكراد العراقيين. التدخل الايراني العسكري أيضاً وارد، ذلك ان جنوح الاقلية الكردية في العراق إلى المزيد من الاستقلال يستفز طهران من حيث انه يغذي طموحاً مماثلاً لدى الاقلية الكردية في إيران عبر الحدود. لكن ربما يكون لإيران سبب اضافي للتدخل، فقد بات معلوما أن الولايات المتحدة تشجع القادة الاكراد في العراق أيضاً على شن هجوم بري بمساندة أميركية من الخلف على قوات منظمة اسلامية راديكالية في المنطقة الحدودية مع إيران (منظمة أنصار الإسلام) والخطورة في هذا السياق هي احتمال أن تتسع رقعة القتال في هذه المنطقة لينتقل إلى الأراضي الايرانية. وهكذا فإن كل تداعٍ في الحرب الأميركية في العراق قد يقود إلى تداع آخر، إلى أن تفقد ادارة بوش تماماً السيطرة على الاحداث.