الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 كشفت القمة الاوروبية التي عقدت في بلجيكا قبل ايام قليلة عن أزمة ثقة عميقة داخل الاتحاد الاوروبي، كما اظهرت مزيداً من التصميم لدى عدد من دول الاتحاد على التخلص من الهيمنة الاميركية واعتماد سياسات مستقلة عن واشنطن، لا سيما في المجال الدفاعي. وفي اطار هذا التوجه سيتم تسريع الخطوات المتعلقة بانشاء القوة الدفاعية الاوروبية المشتركة، وقوامها ستون ألف جندي، التي اتفق على تشكيلها في نهاية القرن الماضي، بحيث تكون قادرة على الاضطلاع بمهمات فعلية محددة خلال الاشهر القليلة المقبلة. واذا كان الانقسام الحالي داخل الاتحاد الاوروبي سببه تناقض مواقف الدول المنتمية اليه حيال كيفية التعامل مع المشكلة العراقية في صورة عامة، ومدى الاقتراب من الموقف الاميركي في صورة خاصة، الا ان ازمة الثقة داخل الاتحاد كانت موجودة دائماً، وربما كان الامر يعود الى اعتبارات ذاتية تتصل بخصوصية كل دولة، بالاضافة الى اشكالية العلاقة مع الولايات المتحدة. ومع انه كان من المفترض ان تخفف الخطوات التوحيدية المهمة التي حققها الاتحاد، ومنها على سبيل المثال اعتماد عملة اوروبية موحدة (اليورو) وتكوين مزيد من المصالح المشتركة بين دول الاتحاد، فضلاً عن توسيع الاتحاد بضم عشر دول جديدة اليه ليرتفع عدد اعضائه الى خمسة وعشرين عضواً، بيد ان الانقسام السياسي الخطير الذي حدث في الآونة الاخيرة اكد حاجة الاتحاد الاوروبي الى مزيد من الوقت، ومن التجارب العملية، لا لاثبات هويته الاوروبية فحسب، وانما لتعزيز ثقته بنفسه وبقدرته على التصرف ازاء المشكلات الدولية من دون الشعور بعقدة التبعية للولايات المتحدة. تكريس الانقسام ولعل رئيس الحكومة الاسبانية السابق فيليبي غونزاليس كان دقيقاً في وصفه لهذا الواقع عندما قال «ان سياسة الاتحاد الاوروبي الدفاعية يرسمها حلف شمال الاطلسي، وسياسته الأمنية تتوافق مع السياسة الاميركية، اما سياسته الخارجية فتطغى عليها المصلحة الخاصة لكل دولة» واعطى غونزاليس مثالاً عينياً على ذلك بقوله «ان بعض الدول الاوروبية، كبريطانيا، حريصة على كسب ود القوة العظمى ويدافع عن افكارها داخل الاتحاد، وغيرها يتسابق لنيل رضاها، مثل اسبانيا وايطاليا.. وبعدهما البرتغال واليونان». وهذه الصورة، القديمة زمنياً، تتطابق الى حد كبير مع وقائع المرحلة الحالية وتفاصيلها فإذا كانت بريطانيا ملتصقة دائماً بالسياسة الاميركية، اياً تكن دوافعها واتجاهاتها، لكن الجديد فيما شهدته الساحة الاوروبية اخيراً هو انضمام اسبانيا الى هذا الثنائي ـ على طرف الاطلسي ـ ليصبح ثلاثياً ثم تكرس الانقسام الاوروبي في اعقاب رسالة التأييد والدعم التي وجهها ثمانية من زعماء الدول الاوروبية (بعضها من الدول المنضمة حديثاً الى الاتحاد الاوروبي) الى الادارة الاميركية، وهو الامر الذي شجع وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد على الحديث عن «اوروبا الحديثة» و«اوروبا القديمة» في محاولة للتمييز بين الذين يقفون الى جانب الولايات المتحدة واولئك الذين يتمردون على زعامتها العالمية واحاديتها القطبية. ومع ان العلاقات الاسبانية ـ الاميركية «الخاصة» ليست جديدة، لكنها تقلصت الى حد كبير خلال عهد الحكومة السابقة بالتركيز على تعزيز الانتماء الاسباني ـ الاوروبي والافادة من مميزاته الكثيرة وعندما تسلم رئيس الحكومة الحالية خوسيه ماريا ازنار السلطة، عمل على تغيير المعادلة القائمة ليستعيد الوجه القديم للسياسة الاسبانية. وقد ساعدت احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في اعطاء التوجهات الاسبانية الجديدة دفعة قوية من خلال التنسيق مع الولايات المتحدة فيما سمي «مكافحة الارهاب»، اذ لم يقتصر هذا التنسيق على التعاون الامني الوثيق وانما تعداه الى اعادة تنظيم وجود القوات الاميركية في القاعدتين العسكريتين الواقعتين جنوب اسبانيا، والسماح للمخابرات الاميركية بحرية التحرك والعمل داخل اسبانيا، وعبرها في دول الاتحاد الاوروبي المفتوحة على بعضها في اطار اتفاقية «شينفن». وبرغم ان الرئيس الاميركي جورج بوش يخطئ احياناً في لفظ اسم ازنار وفي تحديد موقعه الرسمي ـ حيث يناديه باعتباره «رئيساً للجمهورية» ـ فهو يطلق عليه وصف «الصديق»، خصوصاً بعدما تكررت لقاءاتهما، ثم زادهما الموقف المشترك من الموضوع العراقي تقارباً، الى حد ان وحدة مصير اضحت تجمعهما، دون ان يؤثر على ذلك رفض غالبية الشعب الاسباني مشاركة حكومته في الحرب على العراق. المرحلة المقبلة المحللون يرون ان ثمة محورين سيحظيان بالاهتمام الاوروبي في المرحلة المقبلة: أولهما كيفية اعادة الاعتبار الى دور الامم المتحدة ومسئولياتها على المستوى العالمي، وثانيهما بلورة سياسة خارجية ودفاعية موحدة وملزمة لكل اعضاء الاتحاد الاوروبي، بما يؤدي فعلاً الى تجاوز الانقسام الحالي واعطاء معنى توحيدي لعملية توسيع الاتحاد، حتى لا تكون خطوات التوسع المقررة مجرد زيادة في عدد الاعضاء فقط، في حين تبقى الولاءات من نصيب الولايات المتحدة ولمصلحة تكريس هيمنتها العالمية. في المحور الاول، فإن مرحلة ما بعد الحرب الاميركية على العراق ستشهد اختباراً جدياً لمدى قدرة معسكر السلام في الاتحاد الاوروبي وخارجه (روسيا والصين ودول عديدة اخرى) على تمكين الامم المتحدة من ان تلعب دورها الاساسي في احلال السلام الدائم، ليس في العراق وحده وانما في منطقة الشرق الأوسط بكاملها وفي العالم كله. فالحقيقة التي ينطلق منها هذا الفريق تتمثل في ان الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة التي تملك شرعية دولية تخوّلها التشاور والتنسيق مع الأسرة الأسرة الدولية، سواء في شأن فرض الاستقرار في العراق وإعادة إعمار ما ستخرِّبه الحرب الراهنة، أو فيما يتعلق بتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة. وفي هذا السياق، كان من الطبيعي ان تتركز الخلافات التي شهدتها القمة الأوروبية الأخيرة على هذه المسألة بالذات. إذ أن معسكر الحرب (داخل الاتحاد الأوروبي) بقيادة بريطانيا كان مهتماً باتخاذ موقف أوروبي يدعم المشاركة الفعلية في إعادة إعمار العراق والمباشرة، منذ الآن، في اتخاذ خطوات عملية في هذا الشأن. بينما رفض معسكر السلام بقيادة فرنسا وألمانيا التزام أي موقف في هذا الاتجاه قبل ان تستعيد المنظمة الدولية دورها وتتولى الاشراف الكامل على كل الجهود الرامية إلى اعادة إعمار العراق، بحيث يتم كل شيء من خلالها، بعيداً عن أي تدخل خارجي انفرادي. وتأكيداً لهذا التوجه أعلن مسئول العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كريس باتن «ان هناك ضرورة، في وقت ما من عمر الأزمة، لأن يصدر مجلس الأمن قرارا يستعيد سلطة الأمم المتحدة ودورها في العراق، أسوة بالدور الذي لعبته في كل من تيمور الشرقية وكوسوفو وافغانستان». ويرى معسكر السلام الأوروبي ان اي التزام باعادة الاعمار في الوقت الحاضر، سيعتبر مشاركة في الحرب الأميركية على العراق، وفي المخطط المعد لفرض سيطرة خاصة على هذا البلد وعلى ثرواته الوطنية. وفي رد بالغ التعبير للرئيس الفرنسي على سؤال صحفي حول مشاركة فرنسا في اعادة إعمار العراق، قال شيراك: «أننا ندمِّر الآن، وعندما ننتهي من التدمير نتحدث عن إعادة الاعمار»!! الدفاع الموحد وفي المحور الثاني (الدفاع الأوروبي الموحد)، فان تشكيل قوة أوروبية موحدة للتدخل السريع، سيكون من أبرز الملفات التي يتعيِّن على الاتحاد الأوروبي معالجتها واتخاذ موقف حاسم منها. لقد شكَّلت مسألة إعداد سياسة دفاعية مشتركة للاتحاد الأوروبي هاجساً دائماً بالنسبة لعدد من الدول الأوروبية، خصوصاً فرنسا، وذلك بهدف امتلاك القدرة على التعرف والتدخل في الأزمات الاقليمية والدولية بعيداً عن مظلة حلف شمال الاطلسي والنفوذ الأميركي. ثم كشفت أحداث البلقان، في التسعينيات من القرن الماضي، عن عجز أوروبي كامل في المجال العسكري. وكان من شأن ذلك أن أخطرت أوروبا للسير خلف الولايات المتحدة في مختلف مراحل الأزمة البلقانية الطويلة وكأنها مجرد تابع لواشنطن ولا تملك من الأمر شيئاً، على الرغم من أن حل تلك الأزة كان يقع ضمن مسئولياتها في الدرجة الأولى، بسبب العامل الجغرافي من جهة، ونظراً لانعكاس تلك الأزمة عليها من جهة أخرى. ولكن من الناحية الموضوعية تبين أن الأوروبيين غير قادرين على الاستغناء عن التكنولوجيا العسكرية الأميركية الحديثة وعن العتاد اللوجستي الأميركي، كذلك أدركوا أنهم غير قادرين على مجاراة الولايات المتحدة في مجال حشد القوات بالكثافة المطلوبة، وخلال أوقات قصيرة، فضلاً عن عدم توفر العناصر البشرية اللازمة من حيث المبدأ. وفوق ذلك فانهم لا يستطيعون الاستغناء عن أقمار التجسس الأميركية التي توفّر المعلومات الضرورية في أية مواجهة عسكرية محتملة. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى سد النقص في اسلحته الرئيسية التي تنفرد الولايات المتحدة بامتلاكها، إلا أن الاستقلالية العسكرية الأوروبية لن تبلغ حد التناقض مع حلف شمال الاطلسي، او حتى الابتعاد عن التنسيق معه، برغم الأزمة الأوروبية ـ الأميركية التي وقعت داخل الحلف أخيراً. عقبات داخلية ومع ذلك فان الاتحاد قد يواجه اعتراض عدد من دوله التي تتصف بالحياد (مثل النمسا وايرلندا والسويد وفنلندا) على تحويله إلى حلف عسكري من خلال تكوين لجان أمنية وعسكرية وهيئة أركان أوروبية مشتركة، وهي المستلزمات الناشئة عن تكوين قوة عسكرية أوروبية مستقلة، كذلك فان الرأي العام الأوروبي قد يعارض تضخيم الموازنة العسكرية الأوروبية، حتى لا يتم ذلك على حساب الانفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، وهي الأهم دائما بالنسبة له. واذا كانت هذه الاعتبارات لعبت دوراً مهماً في تباطؤ الخطوات المتعلقة بانشاء القوة العسكرية الأوروبية الموحدة، إلا أن الخلاف الكبير الذي حدث مع الإدارة الأميركية في شأن العراق، فرض على الاتحاد الأوروبي إعادة طرح موضوع الاستقلالية العسكرية عن الولايات المتحدة حتى لا يشكل هذا الجانب المهم عامل ضغط على موقف الاتحاد الأوروبي وقراراته، وعلى النظرة الى طبيعة العلاقة التي ينبغي ان تقوم بين ضفتي الاطلسي، بحيث لا يكون أي منهما تابعاً للآخر. وانطلاقاً من هذه القناعة، من المتوقع ان تعقد قمة أوروبية خلال شهر ابريل المقبل لمناقشة هذا الموضوع وتفعيل القرارات التي اتخذت سابقاً في هذا الاتجاه. فهل تستطيع فرنسا بقيادة الرئيس جاك شيراك، وبدعم من ألمانيا وعدة دول اخرى، تحويل هذه الرغبة الدفينة، التي بثها الفرنسي الراحل شارل ديغول، إلى حقيقة أوروبية قائمة؟ ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا