الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 ميزة التحدي انه يفجر في الانسان طاقاته الكامنة، ويحرره من اسر الخوف والتردد ويحركه باتجاه المواجهة مع الظرف الحرج بغض النظر عن طبيعة ذلك الظرف ومصدره. وقبول التحدي هو دليل القدرة على اختيار القرار الصحيح امام الضغط الخارجي القادم والحزم الشديد في ادارة الازمات مهما كان حجم الخسائر المتوقعة. واليوم وقد قبل العراق التحدي، وتعامل معه على انه قدر نازل لا مفر منه يؤكد من جديد في طريقة إدارته لهذا العدوان الواسع ان الهزيمة النفسية هي خيار الضعفاء، وان الاستسلام للظلم يعني اعلان الافلاس والفشل. وازاء هذه الوقفة الشجاعة التي يقفها هذا الشعب العريق تتبدد اوهام من راهنوا على هزيمة الشعب المعنوية وانحسار دعمه عن قيادته، والقبول بحلول خارجية تأتي بها الدبابات والطائرات الحربية!! لقد راهنت الولايات المتحدة على هشاشة الصف الداخلي للجيش العراقي، وعلى تململ الشعب من قيادته وانتظاره لمخلص خارجي ينقذه من واقعه الذي ضاق به ذرعاً وتوهمت انها ستكون «المخلص» الذي سيعيد جنة الفردوس المفقود الى اهلها المغلوبين على امرهم. لقد اطلق حاكم البيت الابيض اطناناً من الكلمات المعسولة في حب اهل العراق وتعاطفه الشديد معهم. ولسوء طالع الجيش الغازي اصر الرئيس الشهم ان يستمر في تقمص دور الغيور على مصالح الشعب العراقي، ورأى ان لديه من النفوذ والقوة ما يضفي الشرعية على افعاله، ويمنحه غطاء كافيا ليمارس شعوذته السياسية بكامل الحرية، وامام مرآى ومسمع الجميع. غير ان الرهان سقط، والزفة العسكرية التي انتظرتها الولايات المتحدة بفارغ الصبر لكي يقدمها الشعب العراقي للغزاة الطامعين تحولت الى مأتم يندب فيه المعتدون حظهم العاثر، ويبكون مصارع رفقائهم بعد ان تيقنوا ان المسلم اكرم من ان يعفر وجهه في التراب او توطأ ارضه دون مقاومة وصمود. ان قبول العراق التحدي هو الخيار الاروع والاعظم الذي رد الينا بعض كرامتنا الجريحة، ومنحنا فرصة نادرة لرؤية جزء حيوي من كياننا المثخن بالجراح وهو يقاوم الالم، ويواجه العدوان الشرس بروح ترفض ان تشرب من كأس الذل او ترضى بالهوان. وفي حين ما زال المعتدي يلعق جراحه، ويفرك عينيه ليزيل الغشاوة عنها، ويصحو من حلمه اللذيذ على جثث جنوده، وعلى رائحة الموت التي اصبحت اقرب اليه من اي وقت مضى، يظل هذا الشعب محافظا على رباطة جأشه حازماً امره على الذود عن ارضه وكرامته مهما كانت التضحيات. ورغم المرارة التي نشعر بها ازاء هذا العدوان الغاشم الا اننا ولاول مرة وبعد سنوات طويلة عجاف لم نر فيها مقاومة نظامية مسلحة ضد من اعتدى على مقدساتنا في فلسطين، او ضد من يساندهم ويمدهم بالسلاح، اذا بنا فجأة نرى الدم المسلم ينتفض من جديد ليرد على الطلقة بمثلها، ويكبد الاعداء منذ اليوم الاول للحرب خسائر اصابته بالدهشة، وارغمته على الاعتراف بان المقاومة التي يلقاها رائعة على حد تعبير تومي فرانكس قائد القوات الاميركية. هذه المقاومة الرائعة والشرسة هي التي ردت لنا بعض الاعتبار، ومنحتنا ـ لفترة من الزمن ـ شعوراً عارماً بالغبطة رغم الالم والرفض لهذا العدوان. ولاول مرة تختلط مشاعر الحزن بمشاعر السرور ونحن نرى الخسائر تتوزع بيننا وبين عدونا ونستعيد ثقتنا من جديد باننا قادرون على حماية انفسنا مهما كان حجم التحدي وقسوة الظروف. ويكفينا ـ كبداية جيدة ـ بعد ستة ايام من هذه الحرب الضارية ان بوش قد شفي من اعراض سوء الفهم التي بدت واضحة عليه ازاء فاعلية الجيش العراقي وقدرته على المواجهة ولا شك انها اعادت اليه صوابه الذي فقده اثناء اندفاعه المحموم نحو حربه الظالمة ضد العراق. ان ستة ايام فقط من بدء الحرب هي فترة قياسية عرفت خلالها الحكومة الاميركية طبيعة الصراع الذي حسبوه نزهة عسكرية ليس الا