الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 كثيراً ما كان صديقي ينهرني كلما رآني احمل كيساً من الفيشار .. فقد كانت له وجهة نظر طريفة، حيث كان يرى ان تناول الفيشار ينفخ البطن، وان آكله يبدو وكأنه التهم خروفاً، اضافة الى ان الفيشار اثناء «قليه» يصدر اصواتا تشبه صوت قلي اللحوم، والدواجن ـ الخلاصة انه اصدر حكما نهائيا على الفيشار بأنه أكلة لا تغني ولا تسمن من جوع، وانها تتمتع بالكذب والتزييف شكلا وموضوعاً. كل هذا دفعني الى محاولة معرفة سبب وجود الجذر اللغوي بين «الفيشار»، و«القشر» .. ولا يوجد مجال ارحب واوسع من مجال المثقفين فيما نود قوله في هذا السياق من أنصاف المثقفين الذين تدربوا تماما على التسلق في حبال بالية تتعلق بعلاقاتهم مع كبار المثقفين والمفكرين الذين يأتون تباعاً الى ارض الدولة. يكفي ان تعرف ان مشادة وصلت الى حد التشابك بالايدي بين اثنين من اياهم بسبب ادعاء كل منهما امتلاكه لرقم تليفون مفكر كبير، ولهذه الطريقة من تفخيم الذات وتوريمها صيغ كثيرة، منها الحرص الشديد على التقاط صور مع كبار الشعراء والكتاب وعرضها من حين الى آخر لعل الرائي يقف على اهمية صاحب الصور، اضافة الى وجود عبارات باتت مألوفة ومضحكة لكل من يفهم المعنى الحقيقي لذات الانسان مثل «لقد هاتفني امس الكاتب الفلاني» شربت معه النرجيلة في مقاهي كوالامبور واختلفنا لدرجة العراك على الطريقة التي يتم بها اغتيال العقل العربي . قال لي، واخذني تحت ابطه، وربت على كتفي، وتغير لونه من عبقرية تحليلي للامور السياسية .. الخ. الطريف في الامر ان من يتقولون هذا الكلام يمتلكون ملامح ثابتة لا يهتز لهم جفن، ولا ترمش لهم عين .. وهذا اسلوب من اساليب محترفي «الفيشار» فالامر عندنا لا يتوقف على مصداقية هذا الكلام من عدمه .. ولكننا نعجب لهذا الربط المريض بين اهمية الانسان في ذاته واهميته عبر الآخرين الشيء المخجل ان نظرة متفحصة لابداعات هؤلاء (!!) تكشف عن مدى ضحالتها وسذاجتها، وهم يدركون ذلك تماما لذلك لابد من ذر الرماد في العيون واحداث غشاوة تلهي من حولهم عن هويتهم الابداعية فعبارة «قال صديقي المفكر» تكاد ان تكون المدخل الاثير لاثبات وجود المتكلم .. واذا كان زكي نجيب محمود يقول ان صغار القامة يختلقون معارك وهمية مع كبارنا بقصد خلط الامور ومحو الفواصل الحادة وخلق هالة تستحق الشفقة والرثاء، كان ما فات زكي نجيب محمود ان ثمة وسائل عديدة يلجأ اليها المفلسون كي يستمدوا ذاتهم الضائعة من ذوات لها ثقلها ووزنها المعتبر. لقد تحولت هذه الحالة الى ظاهرة تلفت النظر وتدفع بمناشدتهم ان يتعبوا قليلا على بناء ادمغتهم ومشروعهم الابداعي، بدلا من طق الحنك والمثابرة على أكل الفيشار .. فالامور صارت مكشوفة للقاصي والداني، وقديما قالوا «الكيس الفارغ لا يقف مستقيما» ونأسف على هذه العجالة في هذا الموضوع الذي يستحق تعميقه اكثر من ذلك.