الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 لولا أنه ظهر على شاشة قناة الجزيرة القطرية في مقابلة منقولة نقلا مباشرا مع مراسل القناة، لما اكتشف الناس انه مازال على قيد الحياة. فعلى مدى أكثر من 48 ساعة ظلت القنوات التلفزيونية ومحطات الاذاعة العالمية تكرر في جميع نشراتها الاخبارية المتعاقبة ان اللواء هاشم قائد الفرقة 51 التابعة للجيش العراقي قد قتل. وهذه الرواية الاخبارية المؤطرة في صياغة لفظية منتقاة توحي بتأكيد «الواقعة» مصدرها «مسئول» في وزارة الدفاع الأميركية. هذا هو المنوال الذي اتخذته اخبار وقائع الحرب الأميركية ـ البريطانية في العراق منذ لحظة اندلاعها فجر الخميس 20 مارس. كذبة مصنعة بنسبة مئة في المئة ومكسوة بغلاف من الذكاء الصياغي تنتقل بين القنوات التلفزيونية والمحطات الاذاعية الى ان تفتضح عمليا بعد مضي 24 الى 72 ساعة. وانظر في الوقائع البارزة في مسار الحرب ونقلاتها حتى الآن: كم مرة «استولت» «قوات التحالف» على ميناء أم قصر قبل ان يتحول هذا الاستيلاء الى مقاومة عراقية شرسة؟ كم مرة «سقطت» مدينة البصرة في ايدي القوات الاميركية قبل ان تتحول الرواية الاخبارية الى «تمركز» لهذه القوات في «محيط» المدينة دون ان تدخلها؟ وكم مرة توالى «سقوط» مدينة الناصرية على نفس المنوال قبل ان يتضح ان القتال مازال دائرا؟ وكم مرة «قتل» الرئيس صدام حسين.. أو «أصيب» بجراح «خطيرة».. وأحيانا «طفيفة»؟ وكم مرة «قتل» نائب الرئيس طه ياسين رمضان.. وكم مرة «هرب» رئيس الوزراء طارق عزيز؟ ان شن الحرب النفسية جنبا الى جنب مع الحرب الميدانية أمر مألوف بالطبع.. بل ومقبول ومشروع لكلا الطرفين المتقاتلين منذ أن عرف الجنس البشري الحروب الجماعية، سواء بين قبائل أو بين دول. والهدف بالطبع هو تضليل الخصم بغرض بث الارتباك في خططه وتحركاته وتثبيط روحه المعنوية عن طريق بث شائعات وأخبار ملفقة. مع ذلك تبقى هذه الحرب الأميركية ـ البريطانية الدائرة في العراق حربا غريبة حتى بالمعايير المقبولة للحرب النفسية. ووجه الغرابة هو ان الحرب النفسية في هذه الحالة بالذات، عوضا عن ان تكون عاملا ثانويا وهامشيا لخدمة الحرب الميدانية الحقيقية، فانها على غرار المنوال الذي تسير عليه حتى الآن ارتقت الى مرتبة الحرب الاصلية بحيث اصبحت الحرب الميدانية عاملا ثانويا. فكما يبدو من سلسلة الوقائع التي شهدناها ونشهدها فان الاولوية الاستراتيجية للقيادة الأميركية هي بالدرجة الاولى رسم التلفيقات الاخبارية اكثر من رسم الخطط القتالية. واذا كان هناك من يظن ان هذا القول ربما ينطوي على مبالغة، فاننا نعيد الى الاذهان ان وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد انشأ قبل ثلاثة أشهر وحدة في وزارة الدفاع لاغراض «التضليل المعلوماتي». مند وقت مبكر أراد وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، وهو يصمم الخطط الاولية لغزو العراق ان تكون لوزارة الدفاع سيطرة كاملة على التدفق الاعلامي المرافق لمسار القتال. وبالفعل جرى تطبيق هذا الترتيب من أول وهلة لنشوب الحرب، فقد فرضت وزارة الدفاع الاميركية تعتيما اعلاميا على الحرب بمنع القيادات من الادلاء بمعلومات مفصلة عن سير المعارك. وكانت النتيجة كما رأينا انه على الدوام لا تتوفر لدى المراسلين الميدانيين معلومات الا بالقدر والنوعية اللتين تسمح بهما وزارة الدفاع. ومن ثم اصبح معظم الضخ الاخباري العالمي مرتهنا الى تسريبات من رئاسة وزارة الدفاع يتكشف بعد حين انها روايات ملفقة بدرجات متفاوتة منسوبة الى «مصادر مسئولة» أو «مصادر مطلعة». ومع تعدد «المصادر» نسمع روايات متضاربة حتى في النسيج التلفيقي. لقد تبنت ادارة بوش اسلوب الكذب المنهجي حتى قبل ان تبدأ الحرب فعلا، فالاعلان عن «ضرورة تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل» كمبرر لشن الحرب كان الاكذوبة الاستهلالية. ومع اقتراب ساعة الصفر قيل لنا انها ستكون حربا «قصيرة وسريعة». ومع تعاظم المقاومة العراقية في الميدان بعد ان نشبت الحرب وانفضاح هذه الكذبة اضطر بوش ورامسفيلد للتراجع.. وهكذا بين يوم وليلة صارت الحرب ـ بناء على قول بوش ـ «اطول وأصعب مما توقع البعض». وفي حقيقة الأمر فان بوش ووزيره رامسفيلد، بلجوئهما الى اسلوب الكذب المنهجي، انما يستوحيان تراثا تاريخيا أميركيا، فالحرب الفيتنامية التي تورطت فيها أميركا وراح ضحيتها 85 ألف جندي أميركي خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، انطلقت من كذبة اطلقها الرئيس ليندون جونسون في خطاب رسمي الى الكونغرس. فقد ثبت لاحقا ان ادعاء الرئيس بأن زوارق فيتنامية هاجمت سفينة حربية أميركية ـ وبناء على ذلك طلب الرئيس من الكونغرس الموافقة على اعلان الحرب ضد فيتنام ـ كان رواية ملفقة جزئيا.