الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 انطلق غول الحرب الشاملة ضد العراق، وأعلنت الولايات المتحدة مع صفير صواريخ كروز معاكستها لإرادة العالم وأكثر من ذلك أعلنت موت الأمم المتحدة، من جانب واحد بعد أن فشلت في تطويعها إلى ما لا نهاية تحت سقف سياساتها الكونية. ومع اشتعال الحرب في الخليج ترتسم علامات جديدة تحمل في طياتها المزيد من الأسئلة المتعلقة حول نتائج ما بعد انقشاع سحب الحرب، خاصة مع الاحتمالات الراجحة التي تؤكد بأن شعب العراق سيصمد من محنته الجديدة، وأن منطق وشريعة الغاب لن ينجحا في فرض حالهما على البشرية في القرن الحادي والعشرين. لقد أظهرت نقاشات مجلس الأمن الدولي في جلسته الأخيرة مساء 19/3/2003 قبيل العدوان الأنكلوأميركي على العراق ـ والمخصصة للاستماع إلى التقرير الرابع لكل من هانز بليكس ومحمد البرادعي أظهرت متانة التحالف الدولي المناهض للحرب على العراق بالرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلتها الإدارة الأميركية لانتزاع قرار دولي من مجلس الأمن لاطلاق الشرارة الأولى للحرب في سماء العراق والشرق الأوسط. والائتلاف الدولي المناهض للحرب في أوروبا رسالة فصيحة بصراحتها ووضوحها إلى واشنطن من جهة والى وقوى الديمقراطية والسلام في العالم من جهة ثانية. من شعوب أوروبا، القارة الحالمة دوماً والتي تجمعها مع منطقة وشعوب الشرق الأوسط علاقات الجغرافيا والتجاور على ضفاف بحر السلام والحضارة، البحر الأبيض المتوسط حيث أمخرت عبابه أولى سفن البشرية. كما يجمعهما معاً التاريخ والحضارة والتواصل منذ فجر الإنسانية الأول . إن صوت أوروبا وشعوبها التي هتفت بحناجرها، وبالملايين من ابنائها ضد الحرب والعدوان على العراق في شوارع لندن، مدريد، برشلونة... كان حاضراً في اجتماعات مجلس الامن من خلال المواقف التي اطلقتها كل من فرنسا وروسيا والمانيا فضلاً عن الصين عبر كلمات وزراء خارجيتها في جلسة مجلس الامن، وكل هذا يعزز بالضرورة من الائتلاف الدولي المناهض للحرب الموحد تحت غايات نبيلة عنوانها: «كبح ووقف غول الحرب الوحشية ضد العراق وشعبه، وضد مجمل شعوب الشرق الاوسط، والمصالح الدولية المتعددة خاصة الاوروبية منها». ويتشكل الائتلاف الدولي المناهض للحرب في ظل ظروف بالغة التعقيد، حيث اساطيل الدمار والموت تتزاحم فوق مياه منطقة الخليج، ويتواصل معها الخطاب السياسي والاعلامي الاحادي الذي تقوده الولايات المتحدة الاميركية وتحديداً مراكز القرار هناك غير عابئة بنداءات شعوب العالم، وآخر هذه النداءات ما اطلقته حركة شعوب اوروبا واميركا، وحركة دول عدم الانحياز وقمة كوالالمبور في ماليزيا، حيث نزل إلى الشارع اكثر من مليون ونصف إلى استاد العاصمة الماليزية ضد الحرب، ومن اجل السلام والمحبة على كوكبنا المهدد بنيران نيرون الجديد. إن صرخات شعوب أوروبا ضد الحرب وضد العولمة المتوحشة، والهيمنة الأميركية، والاستعمار الجديد لا بد وأن تجدي في نهاية المطاف، فنداء العقل لا بد أن يسود خاصة وأن الإرث الثقيل الدامي لحروب القرن الماضي ما فتئت تلقي بغيومها السوداء في الذاكرة الجمعية لشعوب أوروبا والشرق التي اكتوت بنيران الحروب والدمار. وفي هذا السياق فإن ادعاءات واشنطن التي تدفعها نحو تحشيد أساطيلها «بالحرب ضد الإرهاب» تتهاوى أمام الحقائق العنيدة القائمة على الأرض، فمشروع الحرب الأميركية يرمي إلى أبعد من هذا نحو الاستيلاء على العراق كبلد نظراً لما يمثله من موقع جيوستراتيجي، وما يملكه من قدرات نفطية واحتياط هائل منها، فضلاً عن الموارد الطبيعية غير النفطية، وإلى إعادة بناء خارطة المنطقة وتمرير حلول أميركية إسرائيلية على جسد الشعب الفلسطيني والمصالح العربية وبالتالي الإمساك بالمنطقة والهيمنة على العالم على حد تعبير المخطط السياسي في البنتاغون ريتشارد بيرل . إن الحرب ضد الإرهاب كانت وستبقى مهمة جماعية تحملها أكتاف الجميع بعيداً عن حروب العدوان على الشعوب، وبعيداً عن سياسات اللا توازن التي تنتهجها الإدارة الأميركية في إدارة وحل الأزمات في العالم، وتحديداً في فلسطين، حيث تغمض الولايات المتحدة أعينها عما يجري هناك من عدوان وعمليات قمع وإرهاب الدولة الصهيونية وإبادة لشعب كامل ما زال تحت الاحتلال، وترفض في الوقت ذاته إثارة موضوع ترسانة سلاح الإبادة الشامل، التي تفوق 200 قنبلة نووية تملكها الدولة العبرية الصهيونية وفق أغلب المصادر الدولية المحايدة. وأكثر من هذا، فإن الدفاع عن مستقبل السلام العالمي يفترض بالضرورة تعزيز حركة السلم الديمقراطي وحركة شعوب الأرض في الدفاع عن مصالحها، وإعادة إرساء السياسات الدولية على قاعدة من التوازن الذي يحفظ المصالح المشتركة للجميع ويعيد للمؤسسات الدولية دورها المرتجى منها وفقاً لمبادئ تأسيسها. إن الولايات المتحدة بقيادة جورج بوش الابن والمجموعة الصقرية التي تحيط به وعلى رأسها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد صاحب تصريحات «أوروبا العجوز» تكشف الغطاء عن سياستها، فهي تريد أيضاً كما قال المفكر الأميركي روبيرت كاغان «أن تطبخ الولايات المتحدة الطبخة، وأن تقوم أوروبا بغسل الأطباق». كما الحال في الشرق الأوسط حيث انطلقت السياسة الأميركية في العقد الأخير من القرن الماضي لتهميش دور أوروبا في المنطقة وإبقائها «قزماً سياسياً» وبنفس الوقت « ممولاً عملاقاً». هذه هي سياسة الرياء والعنجهية التي تقاومها حركة الشعوب ومؤسساتها وقواها المجتمعية بالرغم من ازدحام العالم بالأنظمة الشمولية التي ترعاها واشنطن. ومن أجل كسر العنجهية في سياسات إدارة بوش، انطلقت حركة السلم العالمي بأوسع إطاراتها كحركة ديمقراطية لشعوب العالم ، وفي أضخم مسيرات الكوكب الأرضي منذ الحرب العالمية الأولى بل وفي العصر الحديث ضد العدوان على العراق ومن أجل حلول السلام العادل في فلسطين. وفي هذا السياق، فإن الدور الملحوظ الذي لعبته اوروبا بقيادة فرنسا، المانيا، بلجيكا.. في كسر التفرد الاميركي ووقف محاولات واشنطن جر العالم إلى أتون الدمار والحروب، ان هذا الدور المضيء في التاريخ المعاصر للبشرية يفتح الدروب واسعة امام وقف بلدوزر الهيمنة الاميركية و«عولمة الابتلاع»، وعلى طريق التفاعل والتناغم بين الحضارات والثقافات والعلوم والانتاج البشري المثمر. فقد تهاون نظريات «نهاية التاريخ» و«صدامات الحضارات» و«صراع الاديان» التي نظر لها بعض المقربين من صناع القرار في واشنطن وعند الانظمة التوتاليتارية التي تحظى برعاية اميركية، واختفى المبشرون بها إلى الخلف من فرانسيس فوكوياما، صموئيل هنتنغتون . إن تحرك مجموعات الائتلاف الدولي المناهض لاستمرار الحرب، ومن أجل التضامن مع شعبي فلسطين والعراق يقوي بالضرورة عزيمة الشعب الفلسطيني ويشحنه بشحنة الأمل الواعد، فشعب فلسطين المحاصر ينظر لحركة شعوب العالم باعتبارها الرافعة التاريخية التي تدفع الأمور نحو الأمام ومن أجل السلام في الشرق الأوسط، في العراق، فلسطين حيث ولد نور السلام وانطلق على يد رسول المحبة. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق