الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 كنت أود أن أرسل رسالة من هذا المكان إلى صديق في بغداد، فهو بان يخاطب اليوم، أستاذا جامعيا ومستقلا سياسيا، ولم يلوث نفسه بالانحياز لنظام القمع في بغداد، رغم الضنك الذي عاش فيه وقد قضى جل حياته العملية الطويلة في معاناة، إلا أنني ترددت في أن اذكر اسمه في هذه الظروف الحرجة، حتى لا يتعرض لأكثر مما هو فيه من محنة، الرسالة فيها تذكيره بنقاشنا المتكرر، عندما كنا نلتقي في المؤتمرات العامة، حيث كنت أقول له فيها إن الشعوب المضطهدة لا تحارب! وقد ثبت صحة ما ذهبت إليه. ما نراه اليوم في سماء بغداد وحولها لا يسر خاطر عربي، ولكنه أكد النظرية، الشعوب تخنع للتسلط خوفا، ولكنها لا تهب للدفاع عن المُتسلط عليها، بل تتركه لمصيره. يوم الخميس الذي ابتدأت فيه الطلقات التي أذنت ببدء بالحرب التي نشهد، هو امتداد طويل لخميس اسود آخر عندما دخلت قوات صدام حسين إلى الكويت، وقتها اتخذ القرار في بغداد طغمة شديدة الغرور بنفسها، غافلة عما حولها، ثم استمرت هذه الطغمة بنفس الأسلوب الذي تعودته من الغرور السياسي والبله. حجر الزاوية في هذا الأمر هو أن الحكم العراقي، هو حكم بالغ القسوة شديد البأس على شعبه والذين هم مواطنوه، حيث حولهم الى مجرد أشباح من الناس يحوطهم العسسة في كل مكان حلوا فيه، ومن جهة أخرى خوار ما بعده خوار في ملاقاة الآخرين إلا بالكلام الحماسي، و بعد ذلك كله إفلاس في مقارعة الحجج. لم يكن مستغربا للمتابع أن يرى الرئيس العراقي في أول أيام الاشتباك مع القوات الدولية وقد لجأ الى قراءة الشعر الحماسي في الوقت التي تضرب بغداد بصواريخ التماهوك وكل أنواع الأسلحة المتطورة التي اعتمدها العالم الحديث، وهي قائمة على نتاج علم وتقنية حديثة، وهو يتحدث من مكانه البعيد والمنقطع عن العالم، عن الخيل والسرج، كلام هو اقرب إلى البله الثقافي والفلس السياسي، بل والهلوسة التي ليس لها معنى. ثم يظهر وزير إعلامه محمد سعيد الصحاف في اليوم التالي لبدء القتال ليقول للرأي العام العالمي والصحافة الحاضرة أمامه، ان أم قصر لم تسقط، في الوقت نفسه الذي يُزال منها كل مظاهر السلطة العراقية، بل يذهب ووزير الداخلية العراقي وهو يلوح بمدفعه الرشاش الفضي اللامع، انه على استعداد أن يصطحب بعض الصحفيين إلى التلفون لمهاتفة آمر ميناء أم قصر! أسوأ ما آلمني هو قول الصحاف عن بعض من استسلم من القوات المسلحة العراقية لجنود الحلفاء أنهم غير عراقيين، ثم أردف (شايفين سحنتهم) وهذا قول فيه الكثير من العنصرية المقيتة والاستعلاء المنكر، وهل للعراقيين الموالين من وجهة نظره سحنة، وللعراقيين الآخرين سحنة أخرى تختلف عن الباقي، ذلك قول لا يتفوه به حتى ابعد العنصريين عنصرية، ولكنه يدل على (الثقافة) السياسية التي يحملها هؤلاء الذين قادوا الشعب العراقي وموارده إلى التهلكة، وتعاملوا مع القريب في الوطن والبعيد في اللحمة بفظاظة وكبر، وهي والأمر ذاك جماعة تبيح الكذب، كما تبيح القتل، والحقيقة بالنسبة لها هي ما تعتقده لا ما يراه الناس جميعا. قبل أن يكون فشل العراق الحالي فشل (طغمة) هو بعد ذلك وقبله فشل (فكرة)، فكرة قائمة على القول ان الشعوب هم (غنم) يسوقهم من يستولي على السلطة في ليل بهيم كيفما أراد والى أي مكان أراد، حتى يحل همسهم بدلا من إفصاحهم، وتطغى عاطفتهم بديلا عن عقولهم، وقد ساعدهم في ذلك عدد من العناصر، منها تكميم أفواه الأحرار وزجهم في السجون وحتى تصفيتهم الحقيقية أو المعنوية، واستيلاء إلى حد الاستلاب على وسائل الاتصال المتاحة، مع ضجيج من الشعارات تخفي السرقات! تلك الفكرة ،سقوط النظام العراقي الآذن، يسقطها معه، لقد فشلت النخبة العراقية أن تقول لا للدكتاتور في الوقت المناسب، فجرى تصفيتها فردا فردا، وجماعة جماعة، كما فشلت في السابق أن تلحظ مساهمة الفئات المتنوعة والجماعات المختلفة في تشكيل الوطن العراقي، فأصبحت السلطة كلها لدى (عائلة) الرئيس، التي تحكمت فيها وفي مقدراتها وأموالها كيف ما تريد، وعندما تصبح السلطة في حد ذاتها هي البرنامج تصبح المغانم هي الأهداف، ولم يفاجأ غير السذج من الخبر المذاع أخيرا، أن الرئيس العراقي وعائلته، يمتلكون فقط سبعين مليار دولار في بنوك خارجية، في الوقت الذي يموت الشعب العراقي من الجوع والقهر معا. الخوف من الدكتاتور وبخس المواطنين حقوقهم القانونية والسياسية التي بدا العالم يحققها على الأرض في أركانه الأربعة سوف تجلب لنا نحن العرب كوارث جديدة، ورحم الله من اتعظ. المتابعون يصفون لنا احتلال الكويت ككارثة تماثل هزيمة العرب المنكرة سنة 67، وما يحدث في العراق اليوم هو ثالثة الأثافي، فالأحداث التي نشاهدها هي ليست نهاية عصر، بقدر ما هي بداية لعصر جديد، ليس بالضرورة أن يكون فردوسا. النقلة الموعودة من (الجحيم) إلى (النعيم) هي فقط في مخيلة الشعراء والحالمين، كما أن الفردوس العربي الموعود لن يتحقق من نفحة من (الجندي) الأميركي، مهما حسنت النيات وصفت القلوب، الفردوس يحققه الناس على الأرض بجهدهم وجهادهم، وقد تبين أن غياب الرؤية العربية الشاملة أو الوطنية، هي التي أوصلتنا لضعف القدرة. غياب الرؤية مازال يلازمنا حتى اليوم، وفقط لننظر حولنا في التصريحات والتحليلات في الأسابيع الأخيرة، ونقارنها بما حدث ويحدث في العراق اليوم، لنستبين على وجه الاجمال كم من الضباب قد هيمن على عقول كثير من العرب إلى درجة تفقدهم الرؤية. مجموعة من القضايا يجب علينا تشكيلها بإرادتنا الحرة، والا فسوف تفرض علينا قسرا، من جملتها العاجلة والمركزية، مستقبل العلاقات العربية ـ العربية، فعليها أن تنتقل من السياسي إلى الاقتصادي، لإيجاد معادلة واقعية تسعى لتعظيم الجوامع مع احترام الفروق، كما أن التشكيل الداخلي عليه أن ينتقل من الأحادية إلى التعددية، وتعظيم حقوق الإنسان، لننتقل من الاضطهاد والحرمان إلى الحرية والمشاركة، تلك بعض الملفات التي سوف تفتح عاجلا، ولنتذكر أن بين الخميسين، خميس الكويت وخميس بغداد فقط ثلاث عشرة سنة، وهي في عمر الشعوب زمن قصير. ـ كاتب كويتي