الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 اخطأت حسابات الإدارة الأميركية من جديد، وسقطت في وحل من الخيبات والنتائج غير السارة التي تجرعتها على مضض في أيامها الاولى في العراق. فالوقفة الشجاعة التي يقفها الجيش العراقي في وجه الغطرسة الاميركية تؤكد لبوش ان شرق اوسط جديداً بدأ يظهر في الافق لكن على غير ما اراد سيد البيت الابيض وعلى عكس ما تمنى ومنذ شهور عدة وسيئة الذكر كوندوليزا رايس تطل علينا حاملة قنابلها اللفظية، وتهديداتها النارية متوعدة الشرق الاوسط ان لم يقبل القيم الاميركية طوعاً فسيقبلها قسرا. وان اميركا مصممة على تنفيذ مخططاتها التغريبية في المنطقة على رغم انف الجميع. وسرعان ما داهمتنا الاحداث بقدوم ذوي العيون الزرقاء والشعر الاشقر حاملين معهم اسلحة الدمار الشامل لتكون البداية الفعلية لتغريب المنطقة واعادة صياغتها من جديد سياسيا، واقتصاديا وثقافيا وفقا للمشيئة الاميركية. لقد قدم هؤلاء الجنود حاملين معهم احلامهم الاستعمارية في الاستيلاء على ثروات العراق واهدار دم الانسان. لكن الذي حدث حتى اللحظة يبشر ان الرياح لم تأت بما يشتهيه بوش الجالس على كرسي الحكم في البيت الابيض. فالمقاومة الضارية التي يقابل بها الجيش الاميركي والبريطاني المشترك تؤكد ان حساباتها فاشلة بنسبة 100% فأين هي الخيانات التي انتظروها في صفوف الجيش العراقي؟ واين هي المدن التي ستستقبل الجيش الغازي بالورود والاهازيج؟ واين هي رياحين التحرير التي ستنثر فوق رؤوس بني الاصفر كما يسميهم اجدادنا الفاتحون؟ نقول للغزاة الجدد: اتيتمونا طائعين، وقاتلتمونا مختارين، واعتديتم علينا دون ذنب اقترفناه كأمة، ودون جرم بدر من العراق منذ اكثر من اثني عشر عاماً فماذا تتوقعون ان ينزل بكم وانتم من بدأ بالعدوان؟ ان العراق قد التزم منذ تحرير الكويت عام 1991 بكل املاءات الامم المتحدة، وبكل الشروط الظالمة والتعجيزية التي طولب بها من اجل التخلص من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية واسلحة الدمار الشامل ورغم ذلك كله لم يشفع له التزامه وقبوله بالحد الادنى من العيش في ظروف غير انسانية جلبها له الحصار الظالم ان يمارس حقه الطبيعي في الحفاظ على كيانه كدولة ذات سيادة لها حقها المشروع في العيش الامن المستقر ـ بعد ان التزمت بكل الشروط التي طولبت بها امام العالم ـ ولها شخصيتها القانونية التي تكفل لها ان تتصرف بمقدراتها ومواردها وفقا لارادتها المستقلة واختياراتها الخاصة. لم يمنح العراق هذه الفرصة منذ اكثر من عقد من الزمان، وعومل كطفل قاصر لم يصل الى سن الرشد بعد، او كسفيه لا يؤتمن على موارده ومقدراته، ولا يملك العقل الكافي ليتصرف بممتلكاته على نحو صحيح. ومن اجل هذه النظرة الجائرة حجر عليه ان ينفذ اهدافه المشروعة في التنمية والتطوير والبناء وشلت اغلب انشطته الحيوية السياسية منها والاقتصادية والعلمية، وقاسى الشعب ابشع انواع الظلم ولاقى من انواع البلاء ما لم يصل اليه خيال هوليوود اسطورة الشعوذة السينمائية، والدجل الفني المعاصر. ومن بلاهة بني الاصفر ورعونتهم انهم ظنوا ان سنوات الجوع والمرض اذهبت من العراق عقله وسحقت ارادته وصيرته طعما سهلا لاول صياد مفترس ينوي الانقضاض عليه، وهكذا اوحى خيال ساسة البيت الابيض المريض لهم ان العراق بأرضه ومقدراته صار على مرمى حجر من جنودهم المدربين على الانقضاض على الاهداف السهلة والعاجزين عملياً عن مجابهة البطولة والتصدي لرجالها البواسل. وظنوا ان الفرصة سانحة لتوجيه الضربة النهائية للعراق حتى لا تقوم له بعدها قائمة. لكن ما فات بوش ان العراق اليوم هو عراق الامس حيث الحضارة والكرامة والقوة. ولان اميركا دولة بلا جذور فقد فات ساستها الكبار ان جذور العراق تأبى الاقتلاع وان التاريخ العريق الذي يضمخ ثرى العراق وسماءه بالطيب لن تستطيع الهمجية المعاصرة تدنيسه مهما طال الليل واشتد الظلام. فهل تعي الادمغة المريضة فيما وراء المحيط هذه الحقائق ام ما زالت تصر على المكابرة والسير نحو مصيرها المحتوم؟