الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 يرتفع العراق عالياً في ضمير جماهير العالم، وفي المقابل تهوي قيم ديمقراطية الصواريخ والقنابل المحرمة دولياً الى قاع الحضيض، وتسقط آخر أوراق التوت عن عورات الزاعقين كل يوم، والمتشنجين أمام الميكروفونات بغية اقناع العالم بالكذبة الكبرى، فالحرب على العراق ليست حرباً من أجل الحرية، لأن الحرية لا تطلب مهرها من أرواح الأطفال والنساء والأبرياء، ولا تسير الحرية على طريق مرصوفة بالجماجم أبداً! يمشي التاريخ مختالاً على أرض الرافدين من أقصاه إلى أقصاه ومن جهاته الأربع، وكل مدينة تقصف تشكل في الوجدان العربي المسلم حكاية مغموسة في نهر التاريخ والحضارة، وهم إذ يقصفونها أمام أنظارنا، فإنما يغرسون خنجر أحقادهم في أعماق جراحاتنا، ويفتحون فوهات الشرايين على كراهية ديمقراطيتهم، وحريتهم، وقيمهم التي تملأ سموات العراق قتلاً ودماراً ودماء واشلاء! فأي قيم تلك التي تضع للعراقيين تاريخاً جديداً بدم ابريائهم؟ لقد كشفت قنابل الدمار التي تحصد أبرياء العراق الزيف الذي طالما روجوا له، عن استقبال الغزاة بالورد والزغاريد، وعن استسلام العراقيين للجنود وفتح المدن لهم، وعن الحرب ـ النزهة التي لن تطول سوى أيام ويسقط العراق من أركانه الأربعة، وعن تهافت العراقيين على الخلاص من ديكتاتورية النظام الى درجة خيانة الوطن والتمرغ تحت أقدام الغزاة وعن.. وعن.. فإذا العراق أمام الدنيا يذوق الموت ليلاً، ويشرب دموعه نهاراً، ويغرس نفسه في الأرض أكثر، لأنها ليست أرضاً اغتصبوها، ولا اشتروها، ولا أبادوا أهلها ليبنوا حضارتهم عليها، انها أرضهم.. وطنهم.. تاريخهم، هم أول سلالتها، وهم آخر السلالة فيها، ولن يكون لسلالة الغزاة موطيء قدم فيها. لقد عرفت أرض الرافدين الأبجدية قبل أن تنشأ للغزاة دولة وحضارة، وأهدت العالم أول الشرائع والقوانين قبل أن يهتدي الانسان للشرائع والقوانين، على جنباتها وفي أهوارها وعلى أرضها يتسامق تاريخ وسيل لا ينتهي من مدن كل واحدة منها تاريخ قائم.. شاهد وشهيد، سومر وبابل وآشور ونينوى والموصل والبصرة وبغداد.. مجد وفتوحات، وبيارق عز، وشعراء وعلماء وكتب وما التاريخ به أعلم! يكبر العراق كل يوم في قلوبنا وقلوب سكان الكرة الأرضية، بينما تزيد محنة الغزاة، ويتوغلون في أوحال المستنقع أكثر، بينما أرض السواد صامدة كما صمدت دوماً في وجه المغول ومنجنيقات هولاكو، وكما بقيت عاصمة الرشيد، ومقر دار الحكمة، وديوان الشعر، ومكتبة الدنيا تختال على الدنيا وستبقى مختالة عصية بإذنه تعالى.