الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 كان في الثامنة والثلاثين حين كتب عليه القدر أن يواجه لحظة الحسم على صراط المصير.. في شبابه الباكر كان يقرأ كثيراً.. ربما قرأ يوماً أو ربما سمع يوماً عن نظرية المؤرخ ارنولد توينبي عن «التحدي والاستجابة» مفادها ان الأمم الحية والقادة الكبار هم الذين يصمدون أمام التحدي، وهم يستجيبون ازاء التحدي من خلال سلوك أقرب الى الكمون أو الاحتماء بالتراث الحضاري.. بالقيم الروحية التي أرستها الأمة ونشأ على مهادها وتربى على حمل رسالتها الافراد. من هذه القيم والرسالات، ومن هذه المواريث الروحية.. الدينية.. الحضارية، يستمد القائد قدراته على الاستجابة ازاء التحدي المطروح، وأولى هذه القدرات ارتباطه الوثيق بقضايا المحرومين والمهمشين والحالمين بالغد الأفضل. ومن ثم تكون «الكرامة» هي مفتاح استجابة القائد ازاء ما تطرحه أمامه صروف الدهر وقسوة التجربة من تحديات. كان في الثامنة والثلاثين لا أكثر حين داهمت الأمة والبلد جحافل عرفت في التاريخ المعاصر باسم «العدوان الثلاثي» الذي بدأ في شبه جزيرة سيناء متزامناً مع مدينة بورسعيد، مفتاح المواصلات العالمية على البحر المتوسط. ها هو صاحبنا يواجه احدى أخبث المؤامرات في تاريخ العالم القريب، تحمل المؤامرة اسم اتفاق «سيفر» الثلاثي بين انجلترا (الامبراطورية) وفرنسا (الامبراطورية) ايضاً، ثم اسرائيل.. انتهوا من اللمسات الأخيرة للتآمر في بلدة «سيفر» الفرنسية. عن اسرائيل حضر بن غوريون الذي حرص على تدوين «الموضوع» في وثيقة ما ان انجزوها حتى طلب توقيع شريكيه عليها. وبعد أن وقعها بدوره طواها في حرص مرابٍ يهودي عجوز وطواها مرتين قبل أن يضعها في جيب سترته الداخلية في حركة أقرب الى سلوكيات عصابات المافيا التي يتلمظ رؤساؤها من عتاة الجريمة المنظمة كي يحصلوا على حصتهم المقدورة من غنائم الاجرام، وكان اسم الغنيمة الأكبر والأخطر هو «قناة السويس» شريان الملاحة الكوكبية، كانت كذلك يومها ـ ,1956. ولا تزال. بمقاييس القوة المادية، وبمعايير الحجم والعدد والهول والطول، كانت المواجهة غير متكافئة بكل معنى، يومها جاءه باشاوات ينتمون الى زمن غبر وانقضى يقول قائلهم على نحو ما سجلته في أمانة حوليات التاريخ: ـ يا جمال بيه.. الانجليز كسروا هتلر، فكيف نجسر نحن على مواجهتهم؟ منطق الباشاوات هو المنطق الوضعي البراغماتي، وكان يفضي الى طلب التسليم، لكن منطقه كان مختلفاً، إذ كان يحتمي بالشعب.. بالناس.. بقدرة الصمود.. بومضة الأمل.. بأهداب الكرامة، وبتلك الشحنة الإيمانية الهائلة التي ترفض الظلم وانكى ما فيه ظلم النفس حين تهان كرامتها على مذبح المطامع والأهواء. شحنة الإيمان هي التي هدته إلى الأزهر.. المسجد الجامع والرمز الأشم لعناق الدين مع المقاومة على امتداد قرون. وما ذهب الى الأزهر كي يكتفي بازجاء الدعاء، لقد سبقه الى هناك قراره بتوزيع نحو مليون قطعة سلاح بين جماهير الوطن ايذاناً بأن «حي على الجهاد» إذا دعا الداعي، وكان في القرار آية على ثقة وطيدة وعميقة في أن يتحول الوطن كله الى ثكنة للمقاومة والى قلعة للصمود. ثمانية وثلاثون عاماً من العمر الوضيء لا تزيد.. وكان يملك من صفاء الرؤية ومهارة لاعب الشطرنج وحنكة ضابط الأركان ومواهب القيادة المؤهلة الى مرقى الزعامة بما جعله قادراً على ادارة الأزمة الرهيبة بدقة واحكام.. كيف لا وقد استطاع أن يدير المرفق المائي العالمي بنجاح شهدت به أوساط الملاحة الدولية في ارجاء الدنيا، واستطاع أن يدير العملية الدبلوماسية في الخارج بمقدرة فائقة الى حد شهد استقالة الأمين العام للأمم المتحدة شخصياً (وكان اسمه داج همرشولد) احتجاجاً على شن العدوان على منطقة قناة السويس، ثم استطاع ـ وهذا هو الأهم ـ أن يفجر في جماهير أمته من خليج العرب الى الأطلسي أحلامهم الى «الكرامة» وتوقهم المقدس إلى «العزة» وأشواقهم التي لما تنطفيء الى «العدل والحرية والمساواة». تلك هي المفردات التي ظل يحفل بهن قاموسه على مرّ حياته المكثفة الباهرة. وطالما بادلته جماهير أمته محبة بمحبة، ويقيناً بيقين، وما خذلته يوماً ولا تخلّت عنه لا في سراء ولا في ضراء حين قصف العدوان محطات ارسال «صوت العرب» في «أبي زعبل» وتصور المعتدون ان «قاهرته» قد سكت صوتها.. فوجيء العالم على الفور بمذيع يهتف في سمع الزمان «صوت العرب من دمشق» وحين حاصروا جرائده التي تحمل نبض الأحداث وتسجل مقاومة العدوان.. قرأ العالم جريدة «الجمهورية» القاهرية صادرة من بيروت. وحين راهنت أطراف شتى على الانكسار والاستسلام، أو على الأقل تقديم تنازلات بشأن الامتلاك الوطني لقناة السويس، كان في مكتبه البسيط في «منشية البكري» يتابع الاذاعات من مذياع عتيق ويبعث بكتائب المقاومة الشعبية وفيها مثقفون وثوريون وفنانون وطنيون ومفكرون مستنيرون، وفيها ضباط ومعاونون له كبار كانوا يتسللون من مناطق البحيرات الشمالية متنكرين في اهاب الصيادين الى حيث موقع الصمود والمقاومة في بورسعيد. وحين أطلق العدوان الثلاثي قذائفه الأولى في اكتوبر 1956، ذهب موسيقار كفيف اسمه سيد مكاوي الى مقر الإذاعة في شارع الشريفين وفي يده كلمات لأنشودة جماعية وضع موسيقاها في التو واللحظة. وحين افتقر الملحن الى كورس يردد اللحن المتدفق، هدته فكرته الى أن يجمع عمال الإذاعة وبعض السابلة من عامة المواطنين من الشوارع المحيطة، وما زالت أنشودته «حنحارب» مسجلة بصوته وأصوات ناس من البسطاء غير المحترفين. بل ما زالت قصيدة «الله أكبر فوق كيد المعتدي» وقد أبدعها الشاعر عبدالله شمس الدين وصاغها الموسيقار محمود الشريف لحناً متدفقاً مؤمناً وجياشاً لتظل علماً على مرحلة وعنواناً لكرامة الأمة، واشارة يوميء بها التاريخ الى اننا ننتمي الى أمة لن تهون ولن تموت: أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي بلدي ونور الحق يسطع في يدي قولوا معي.. الله أكبر فوق كيد المعتدي تلك سطور تسجل ذكريات عاشها جيل من عرب هذا العصر.. هو الجيل المخضرم الذي جلل الشيب فوديه، وكان أبناؤه صغاراً، بل أطفالاً نشأوا وشبّوا على ان لكرامة الانسان وكرامة الوطن وكرامة الأمة معنى جليلاً ونبيلاً لا يعدله مغنم، ولا يفوقه كسب في حسابات الأمم وفي موازين التاريخ. لماذا جاشت النفس بهذه الذكرى، فحملت القلم الى تدوين هذه السطور؟ انظر حولك.. تأمل ما يدور في دنيا العرب.. لعلك تجد جواباً أو بعضاً من جواب.