الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 في اللهب الأحمر المتصاعد من حرائق بغداد ومن وراء السحب الداكنة التي تثيرها نيران الصواريخ والقنابل، وفي بيانات الحرب المتضاربة كنت أقرأ انتفاضة العقل العربي وصحوته الكبرى المباركة على أزيز الطائرات وهدير المجنزرات وفحيح الصواريخ.. هذا العقل الجبار الذي عقلوه منذ قرون وعقود في التاريخ الوسيط والحديث. هذا العقل الذي فتح أمصار العالم بالفلك والطب والكيمياء والهندسة والترجمة والقانون والصيدلة والذي استلبه الاستعمار وسجنه الاستبداد وأضعفه الفقر.. هذا العقل الذي كان يتغذى بالحرية والإيمان والثقة والذي رفع قلاعاً من المعرفة العلمية والتسامح الديني ونبذ العنصرية وأقام العدل وانتصر للمظلوم.. ها نحن نرى هذا العقل ينتفض من القمقم كالمارد ويضع هذا الواقع الرديء البائس تحت مجهر التحليل على أصوات الانفجارات البغدادية. فإن العقل العربي المقتدر لا يأمل اليوم ان يمارس حقوقه الشرعية والطبيعية في التفكير والانحياز للحق والانتصار لمسيرة التاريخ. ولعل يوم 21 مارس 20003 يوم اندلاع الحرب الأميركية البريطانية على العراق سوف يكون كذلك يوماً تاريخياً للتحول العظيم الطارئ على العقل العربي، مهما كان تقييمنا للحرب ومهما اختلفنا في شرح أسبابها وتقدير مضاعفاتها. وقد بدأ العقل العربي يقترب من حالة العقل الألماني والأوروبي الشرقي عام 1989 عندما هبت جماهير ألمانيا ـ شرقها وغربها ـ ومن ورائها جماهير بولندا ورومانيا والمجر وبلغاريا ويوغسلافيا لتحطيم جدار برلين المزيّف والالتحام التلقائي بالحريات المقدسة وحق تقرير المصير في عاصفة جماهيرية لم يتوقعها السياسيون.. في ريح صرصر عاتية أتت على الدكتاتوريات الشيوعية والرأسمالية فأطاحت بها وأقامت لشعوبها صروحاً مشيّدة على المبادئ الديمقراطية والحريات الأساسية حتى أصبحت اليوم على قائمة الاتحاد الأوروبي الذي يناطح الامبراطورية الأميركية، حتى حول قضية العراق وقضية فلسطين وقضية مصير العرب. ان يقظة العقل العربي بالطبع يقظة أليمة مريرة على قعقعة القهر المسلط على العرب جميعاً من أدناهم إلى أقصاهم.. وهي يقظة عقل، اي بعيدة عن التوتر العاطفي الكلامي المعروف لدى العرب وفي معزل عن المهاترات العصبية التي اشبعتنا غشا وتخديراً على مدى نصف قرن. في يقظة الوعي بحقيقة التحديات وبتقدير أمين للمقدرات العربية.. فنحن امة في مهب الرياح العولمية وصلنا درجة الغياب الكامل من ساحة الفعل ودرجة التفرج على مصائرنا تصنع امامنا وبدوننا.. ودرجة الشيزوفرينيا «انفصام الشخصية المرضية». لكن هذا العقل الكامن كالنار تحت الرماد شرع ينفض الرماد ويستيقظ على نداء اجيالنا العربية الجديدة التي لن تقبل بما قبلنا به ولن تنساق وراء الشعارات المضللة.. هذه الاجيال التي افاقت اليوم على اوهام «لا صوت يعلو على صوت المعركة» لانه لم تكن هناك معركة للعقل.. ولم يكن هناك انتصار للوعي.. فمعاركنا 67 و73 و82 دخلناها بالمؤسسات الرسمية الجوفاء الخالية من كل عبقرية شعبية وخسرناها، ووظفت اميركا غياب العقل وغياب المجتمعات المدنية لدينا لتدخل حرباً ضد نظام عربي شارك في صنع المأساة بقدر كبير ولم يعتبر بالاحداث والخيبات والمرارات. منذ اليوم الأول من الحرب الراهنة يمكن ان نستشرف اربعة تداعيات كبرى لهذه الحرب، وهي أولاً نهاية القانون الدولي الذي نشأ مع انتصار الحلفاء ضد النازية الالمانية عام 1945 لانه قانون دولي هش حتى ولو كان فيه بعض العدل، وثانياً بداية عهد الحرب الباردة الثانية التي تتواجه فيها الامبراطورية الأميركية مع العالم بأسره: الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والامة الإسلامية، وثالثاً افلاس النظام الرسمي العربي الذي لم يعتبر ولم يصلح من احواله الداخلية وظل فاقداً للمؤسسات الدستورية وللمصداقية، ورابعاً صحوة العقل العربي على الحقائق الصعبة المعقدة في عالم متعدد الثقافات مختلف الحضارات تحاول ابتلاعه قوى السوق الشريرة المؤسسة على الربح بدون وازع اخلاقي. هذه هي الاضلاع الأربعة للمستقبل القريب.. وقد اعلنتها بقوة وعنف وعنجهية احداث ونيران صواريخ كروز وتوماهوك بعد ان دقت ساعتها عمليات 11 سبتمبر الارهابية ومجهولة المصدر والأسباب والنتائج. هذا هو عالم الغد بخرائطه القادمة غير المتوقعة.. عالم لابد ان نندرج فيه بالعقل.. الذي كما قال ابو العلاء المعري «لا امام سواه امام المجهول». ـ استاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر