الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 وقفت على نهر دجلة أتأمل طيور النورس التى شعرت أنها خائفة مثل المدينة وأنها مثل الجميع كانت تدرك حجم الخطر المحدق ببغداد، حيث كان على مقربة منى مبنى وزارة الأعلام العراقية الذى كنت أتخيل أنه أأمن مكان في بغداد من خطر القصف بسبب كونه مقرا لمعظم وسائل الأعلام العالمية، لكنى وجدت الهلع على وجوه الجميع حينما عدت إلى فندق الرشيد، فقد أبلغ الصحفيون لاسيما الأميركيين منهم أن وزارة الأعلام ستكون أحد الأهداف الرئيسية للقصف وربما أولها، وعليهم إخلاء أجهزتهم وأطباقهم اللاقطة والبحث عن مكان بديل، لكن ما هو المكان الآمن في تلك المدينة التى كانت تترقب حربا أشبه ما تكون بحرب انتقامية غير متكافئة أكثر منها مواجهة بين طرفين. كانت المتغيرات لحظية والآراء متباينة والرؤية ضبابية لدى الجميع، فكل واحد يسأل الآخر عما يمكن أن يحدث حتى أنى أنا الزائر للمدينة والذى لم يمض لى فيها سوى بضعة أيام رأيت من قضوا فيها أسابيع وربما أشهرا بل حتى من الزملاء العراقيين يسألونى وكأنى كبير الخبراء عما يمكن أن يحل بالمدينة وما يمكن أن يحدث في الحرب، مما أكد لى حجم الهلع الذى يسيطر على الجميع. ولأنى كنت أتعامل مع ما حولى بهدوء شديد فقد قفزت كيرل كروزنستى منتجة الأخبار في محطة إن بى سى الأميركية من مكانها حيث كنت أجلس بين عدد من المراسلين وقالت لى : مالى أراك غير خائف وغير عابئ بما يجرى ؟ قلت لها : يكذب من يدعى أنه غير خائف ولكن هناك فرق بين أن نظهر الخوف والهلع وأن نتعامل معه بشكل آخر ؟ ثم قلت لها : هل هى المرة الأولى لك في تغطية إحدى الحروب ؟ قالت لى : أنا محترفة تغطية حروب قمت بالتغطية في أفغانستان ولبنان ورواندا والبوسنة والهرسك، وأماكن أخرى عديدة لكن الحرب هذه المرة لن تكون حربا، إنها ستكون مجزرة إنهم سيدمرون كل شيء، و بعيدا عن الدعاية التى تقوم بها وزارة الدفاع الأميركية فإنهم بالفعل وعبر مصادر مؤكدة سيقومون بتدمير كافة وسائل الاتصال في بداية الحرب حتى أننا لن نستطيع استخدام الأجهزة التى معنا والتى تعمل بالأقمار الاصطناعية، وبالتالى فإن بقاءنا هنا لا قيمة له، لأنه ليس من المعلوم إلى أى مدى يمكن أن تبقى الاتصالات معطلة وإلى أى مدى سوف ينجح الجيش الأميركي في تنفيذ خطته، فكل شيء مجهول، وهناك أسلحة فتاكة لن تميز بين هذا وذاك كما أن أحدا لن يستطيع أن يضمن لنا أمننا، إننى لست خائفة فحسب بل إننى مرعوبة هذه المرة، لأنها حرب من نوع جديد، وإنى أفكر جديا في الرحيل قبل بداية الحرب. مخاوف كيرل كانت تنطبق على عشرات غيرها من الصحفيين و المراسلين الغربيين الذين كان عددهم في بغداد يزيد قبيل بداية الحرب على ثلاثمائة وخمسين، فقد كان كل منهم يشعر أنه سيتعامل مع شيء مجهول لا يعرف كيف سيقوم بتغطيته لاسيما وأن خطة الحكومة العراقية قائمة على أنه مع بداية الحرب سيتم إعلان حظر التجول وفقط تبقى القوات الخاصة هى التى سوف تتحرك، ولديها أوامر بإطلاق الرصاص على كل من يتحرك في الشارع دون تصريح مسبق، أما المراسلون فلن يصولوا ويجولوا كما يرويدون وإنما سوف يتحركون من خلال باصات خاصة بوزارة الأعلام ولن يكون لأحد خصوصية في التحرك، ولأن بعضهم بلغته معلومات بأن فندق الرشيد قد يكون هدفا هو الآخر، فقد سعى الكثيرون لحجز غرف وصلت إلى ثلاثين لبعض المحطات مثل سى إن إن في فنادق أخرى مثل فندق فلسطين لكنه أيضا مواجه للقصر الجمهورى مما يؤكد أنه لن يكون هناك مكان آمن في بغداد، أحد منتجى المحطات الأميركية قال لى :« لقد أبلغ الأميركيون محطتنا وقالوا لنا إننا لن نضمن حياة أحد ولن نعمل حسابا لأحد لذلك عليهم الخروج الآن من بغداد والعودة مع قواتنا حينما تدخلها» هكذا خططت الادارة الأميركية ألا ينقل أحد ما سوف تفعله ببغداد، لأن تغطيات بيتر أرنيت مراسل السى إن إن في حرب الخليج والذى التقيت به على الفطور في فندق الرشيد حيث يغطى كمراسل حر لمحطات أميركية عديدة قد أزعجت الأميركيين دون شك، وليس من مصلحتهم أن يكون أحد على الطرف الآخر يعكس أو يصور أو ينقل أى شكل من أشكال الصورة لأن ما سيحدث سيكون فظيعا حتى أن الرئيس بوش نفسه في خطاب الحرب طلب من المراسلين الصحفيين الغربيين الخروج من بغداد، وهذا يعكس حجم الحرب النفسية التى مارستها الادارة الأميركية على المراسلين الغربيين حتى تبقى الصورة التى تنقل للعالم هى الصورة الأميركية الرسمية فقط، ورغم حالة الرعب التى سعى الأميركيون لبثها في نفوس المراسلين حتى يرحلوا قبل الحرب ولا يقدموا صورة للعالم عما يمكن أن يحدث في بغداد، فإن هناك كثيرين أصروا على البقاء وعلى أن ينقلوا للعالم ما يمكن أن يحدث من فظائع في بغداد، حتى لو دفعوا حياتهم ثمنا لهذه المهمة. ـ كاتب وإعلامي مصري