الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 بدأ العدوان على العراق، والقوة الأميركية البريطانية تقصف وتدمر وتقتل وتتقدم في الأراضي العراقية نحو بغداد، والمسؤولون عن إدارة الحرب والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية، يعلنون من أهدافهم القريبة: نزع أسلحة التدمير الشامل العراقية، وتغيير النظام الحاكم في بغداد، والتخلص من الرئيس العراقي، أما ما يخفونه من أهداف استراتيجية للحملة الاستعمارية فهو ما نعلم ويعلمون ويعلم العالم بشكل دقيق وواضح وصريح، ولن يتسنى لهم تحقيق أهدافهم القريبة في المرحلة العراقية من العدوان إلا باحتلال العراق والسيطرة التامة على مقدراته بالقتال أو باختلال كلي للأمن والنظام فيه نتيجة حدوث انقلاب أو ثورة شعبية شاملة ضد النظام تودي برموزه والسيطرة عليه من دون قتال، وذاك ما زال في وطي الغيب مما لا نستطيع به جزما أو عليه حكما. أما أهدافهم الاستراتيجية البعيدة في المرحلة العربية ـ الإسلامية من الحملة الاستعمارية، تلك الممتدة من السيطرة على الأرض والثروة والنفط إلى السيطرة على الثقافة ومناهج التربية والتعليم وقيم العقيدة ومقوماتها وتجفيف منابع «التديّن»، التي يربطون بتجفيفها تجفيف منابع «الإرهاب» بعد ترسيخ اتهامهم للإسلام «بالإرهاب»، وتصفية قضية فلسطين وفق المنظور والمشروع الصهيونيين، وتغيير الجغرافية السياسية للمنطقة فأمور معروفة ومكشوفة على الرغم من محاولات التمويه الآنية أو السكوت الهادف إلى ألا يثير التكرار غباراً يُعشي الرؤية في وقت الحاجة إليها، وكلاماً يقود الناس إلى موقف غير مرغوب فيها، وشعوراً عربياً زائداً عن الحد وغير مطلوب في المرحلة الحالية على الأقل. جوهر القضية في «المرحلة العراقية» من المشروع الأميركي ـ البريطاني ـ الصهيوني الجديد يلاحظ أن الشعب العراقي والجيش والحزب الحاكم وأدوات النظام كل أولئك يبدون استعداداً للمقاومة دفاعاً عن بلدهم على الرغم من التفوق الهائل للعتاد الأميركي وآلة الحرب، ويرفضون الاحتلال الأميركي للعراق تحت أية ذرائع وأسباب، ولا يستطيع أحد أن يعطي نتائج قطعية لنهاية المواجهة المحتملة وما يمكن أن يحدث من تغيرات في أثنائها، فقد ينتصر الإيمان الصادق إن وجد على قوة كبيرة لا تؤمن بالأهداف التي تُجَرّ إلى القتال من أجل تحقيقها، وقد ينقلب الذين ينتظرون على حرف إلى مواقف مضادة لتلك التي هم عليها الآن إذا تغير شيء في مدى المكان ومدار الزمان.. فمن يدري؟! ولكن الجانب الأعظم من القضية ونتائجها ينصب على مواقف العراقيين من حقائق الداخل والخارج وحقائق التاريخ والجغرافية، وعلى مواقف العرب القريبين والبعيدين عن العراق مما يجري في العراق ومما سيجري للعراق ولهم بعد المرحلة العراقية من المشروع الجديد التي تدور رحى الحرب الآن من أجل حسمها على أرض العراق، إن هي نجحت وفق ما يخطط لها. والسؤال الأهم في هذه المرحلة: ما الذي نستطيع أن نقدمه للعراق إذا كنا حقاً مع شعب العراق، سوف ترتفع فوراً أصوات تتذرع بالديموقراطية وهي ألد أعدائها، لأنها على الأقل تحترم الأكثرية ولا تريد أن تصغي لما يريده الشارع العربي والرأي العام العالمي ومعظم دول العالم من توجهات ومواقف وقرارات يأتي على رأسها وقف الحرب التي ستدمر العراق والشعب العراقي، واحترام الإرادة الدولية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والناس في العالم.. أصوات مهمتها الأولى الآن وفي هذه المرحلة بالذات التشويش على العقل والرأي والرؤية والضمير بخلط متعمَّد للأوراق بين صدام والدماء والديكتاتورية والديموقراطية و«المنقذين» القادمين باليورانيوم المنضب على أجنحة الطائرات وظهور الدبابات، وسوف يكثر الصراخ والزعيق.. وعلى الرغم من ذلك يجب ألا نفقد الرؤية لما هو جوهري وضروري ومقدَّم على سواه الآن على الأقل.. فالقضية الجوهرية ليست هنا، القضية الجوهرية قضية الوطن بقداسة معانيه ومبانيه المادية والمعنوية وتاريخه.. وطن يبدأ نقض معماره الأساس ابتداء من نقض وتدمير معمار ركن من أركانه هو الركن العراقي الآن.. وأقصد وطن الأمة كلها بالدرجة الأولى: وطن الجميع وبيت الجميع الذي يجب أن يعيش فيه الجميع بأمن من جوع وخوف.. بكرامة وحرية واحترام ومساواة وحقوق تامة، لست مع الديكتاتورية والظلم والقهر والاستبداد وطغيان الأنظمة والأحزاب والطغاة أو الذين يتلطون في المعارضات لكي يصلوا إلى السلطة، ولا مع أي تجاوز على القانون والحقوق والحريات، ولا مع الانتهازيين والمتزلفين الذين يصنعون من الحكام طغاة ويشوشون الرؤية ويشوهون الحياة، ولست مع الديمقراطية المستوردة التي تزرعها صواريخ كروز في شوارع مدننا وتسقيها دماء شعبنا لتثمر أشعة تفني أجيالنا واستعماراً لبلداننا وعقولنا، ولا مع من يستعْدون الاستعمار على أوطانهم وشعوبهم ليسودوا أو لينتزعوا السيادة من غيرهم.. فتلك لعبة ينبغي أن تُلعب بنظافة تامة داخل الوطن السيد. ففي ضوء معالجة المسألة العراقية والمواقف الأميركية من العنصرية الصهيونية وممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، وبعد الاستماع إلى المنطق المعتمَد في أثناء طرح هذين الموضوعين على الأقل في مجلس الأمن الدولي، أرى أن كثيرين من المسؤولين الأميركيين في الإدارة الحالية يحتاجون، من وجهة نظري، إلى إعادة تأهيل منطقي وسياسي ومعرفي ونفسي وروحي يجعلهم أقرب إلى المسئولين الذين تعصمهم الحكمة عن ارتكاب خطايا لا تغتفر، وتحكمهم القيم الإنسانية والروحية العليا وهم يتصرفون في شؤون تقرر مصير الناس وقضايا الحرب والسلم والحرية والعدل في العالم.. لكي يعرفوا أن الدم البشرية ليس مجرد لون يرسمون به الأحداث ويلون صورهم على صفحات التاريخ، هؤلاء منطقهم مرتبط بمعايير مغايرة لما يعتمده العقل السليم والمنطق السليم والحس الإنساني السليم من منطق ومعايير. اختراق مميت وفي مجال مقاربة موضوع العمل العربي الذي يمكن أن ينقذ شيئاً من العراق وفيه ويتعامل بجدية واقتدار مع المراحل التالية للمرحلة العراقية في المشروع الأميركي ـ البريطاني ـ الذي يستهدف الأمة يقوم ابتداء من العراق، فإنني أرى بؤساً يكاد يحبط المرء في أوقات يكون فيها الإحباط أشد خطراً على المرء والأمة من سلاح العدو.. ولكن من غير المنطقي أن نحرث في البحر ونوهم الناس بأننا نغرس الأشجار المثمرة في السفوح الخصبة، ومن الضار ألا نقارب الواقع بدقة وموضوعية وأمانة، ومن المميت أن نعاقر الوهم في وقت الحاجة الماسة إلى الصحو، أنا لست مهزوماً في أعماقي ولا أرى أمتي تستحق هزيمة في العمق، أنا أثق بالأمة العربية وبمستقبلها وبقدرتها على النهوض والمواجهة وتحقيق تقدم ونصر في نهاية المطاف.. وأتبيّن ملامح صفحة جديدة مؤثرة في حركة الشارع العربي في مواقع وحالات.. ولكن.. ومن أول الطريق كما يقولون لماذا نكذب على أنفسنا؟ نحن مخترقون حتى العظم في المجال السياسي وعلى أعلى المستويات، وفي المجال الثقافي نعاني من اختراق مميت في مستويات ثقافية عالية أو معلاة بقدرة السلطة الرابعة التي تعاني هي الأخرى من خروق واسعة وضعف في الأداء أو قيود على الأداء، والمحكومة على نحو ما بالإعلان وبأوامر من يدفع الفواتير ويملك القرار في تسيير دفته ومن ثم دفة الإعلام على هذا النحو أو ذاك، وفي معظم المجالات نعاني من المخترَق أو المنخور بأشكال منظورة وغير منظورة. نحن مئة وجه ومئة لون ومئة ولاء وولاء تُستَنبَت وتنمو على جثة الهوية العربية والعقيدة الإسلامية وحقائق الإيمان والانتماء، من قال إننا من المحيط إلى الخليج مجرد رغاء وزبد وغثاء لو كان لنا موقف على مبدأ وحد أدنى من الثبات على الخلق والقيم والعقيدة، ورؤية موحدة في الحدود الدنيا للأوضاع والأخطار والمستقبل، ولو كان لنا الحد الأدنى أيضاً من التضامن ولو في حدود الإنساني ولا أقول القومي والإسلامي.. ولو وظّفنا جزءاً يسيراً من طاقاتنا وثرواتنا لامتلاك قوة نحمي بها وجودنا وكرامتنا ومصالحنا وندافع بها عن أنفسنا وبلداننا ومقدساتنا وهويتنا ؟! نعم نحن لا نملك قوة تكافئ أو تقترب من أن تكافئ قوة العدو الذي يشن علينا الحرب اليوم ويحتل حليفه أرضنا والقدس من بين مقدساتنا، ولكن القوة التي نملكها لو كانت في جبهة مواجهة موحدة لجبهته.. تقاتل على أرضها بإيمان حتى حدود الجهاد والاستشهاد، ولا تكيد اليد فيها لليد الأخرى في جسمها في الوقت الذي يقف فيه الجسم مواقف الدفاع عن النفس. رؤية جادة من قال إن أمة تملك ما نملك لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا أن تصمد لعدوها ولو في الحدود الدنيا من الصمود، ولا تملك أن ترفع الصوت من أجل رفع السكاكين عن أعناق أبنائها اللذين يُذبحون تحت سمعها وبصرها منذ سنوات في فلسطين.. من قال إننا مجردون من كل أشكال القوة وليس لنا حول ولا طول.. ومن قال إننا مجرد زبد وطحالب وجمال ترغي في ساحات تحميلها وركوبها ؟! هذه كذبة العرب الكبرى في العصر على أنفسهم، وكذبة الأمم في العصر على العرب، وكذبة العصر على العرب في كل العصور. إننا نحتاج إلى الرؤية الجادة المستقلة والإخلاص التام للوطن في إطار رؤية شاملة وصحيحة لمعاني الوطن والمواطنة والتضحية على هذا المذبح الطاهر مذبح الوطن.. إننا بحاجة إلى استعادة إرادتنا المسلوبة وتحرير قرارنا السياسي المصادر لكي نتوجه بعقل ووعي وحزم نحو بناء الأمة الشامل بقوة العلم وتطبيقاته في كل ميدان من ميادين الحياة، وبقوة الإيمان العميق الصادق الصحيح وتطبيقه سلوكاً في كل ميادين السلوك والعمل والتعامل، إخلاصاً منا لقيمنا وعقيدتنا ولكل ما نمثله ويمثلنا في مسارات الحضارية التي تركنا عليها بَصمَتنا في صفحات التاريخ. فهل ترانا نعود إلى أنفسنا ونفعل ما ينفعنا وينقذنا ؟! الوقت لم يفت ولن يفوت، والأمل لم يمت ولن يموت.. فهذه مرحلة من مراحل صراع الأمة وليست نهاية الأمة، ولكن لا بد من كلام يسنده عقل وضمير وعلم وعمل، وعمل يواكب الكلام ويؤسس على العلم، وأمل يحكم العمل والكلام، وإيمان صحيح راسخ نبني عليه العلم والكلام والعمل والأمل ونستشف على مشكاة نوره الرؤية الساطعة، في عالم يتقدم ولا ينتظر «جثثنا» تحت تعود إلى الحياة أو تعود غليها الحياة بعد رقاد طويل، وتتحرك بعد أن نسيت الحركة أو كادت، وتصحو على ما يقرع لها من أجراس آناء الليل وأطراف النهار. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب