الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 في القرن الرابع قبل الميلاد برز الخطيب اليوناني الشهير فوشيون كواحد من اشهر الخطباء الذين عرفتهم اليونان، وارتبط بهم الناس ومنحوهم ثقتهم واعجابهم الشديد. وقد لوحظ على الخطيب الاشهر انه كان يفكر مليا قبل ان يبدأ خطابه، وذات مرة سأله احدهم: امازلت تفكر فيما ستقول؟ فأجابه قائلا: لا، وانما افكر فيما ينبغي ان لا اقول!! سر سبق هذا الرجل، وسبب صدارته كشفت عنه هذه العبارة الحكيمة، والدالة على احساس شديد بالمسئولية، واحترام واضح لعقل جمهوره الذين يحرص اشد الحرص على ان يقدم بين ايديهم ما يضيف الى مفاهيمهم، ويرتقي بمعارفهم، ويعرفهم على الفكر الناضج والرأي السديد!! فالرجل لم يكن يعاني من حب الظهور، ولم يكن مهووساً بجمع المعجبين حوله ومضاعفة اعدادهم يوما بعد يوم. انما كان لديه هدف آخر يتمثل في تجويد افكاره وانتقاء احسنها ليعرضها على الناس فيضاعف بذلك رصيده من الاحترام والتقدير في القلوب كما يؤدي مهمته في تعليم الناس على اكفأ صورة واوضح بيان!! هذه الوصفة الذكية للخطابة الناجحة هي سر تميز اداء كل رسالة عامة، ومن دونها يسقط المتحدث في بحر من الاخطاء نتيجة غياب الحس الرقابي الذاتي للافكار والكلمات المعبرة عنها!! وما الاندفاع المحموم لنثر الكلام دون تمييز الا عمل الحمقى والمغفلين وفاقدي الاهلية لامتلاك ناصية الخطابة ومواجهة الجماهير. ومن المؤسف ان نرى ونحن في هذه الظروف الحرجة التي نمر بها من يتقدم من بين الخطباء ويظهر على شاشة التلفاز ليبدي فرحه بضرب العراق ويتهلل وجهه معلنا ان نهاية عصر الطاغوت ولى، وان فجر الحرية قد لاحت تباشيره مع هذه الحرب التي لا يراها الا عملا بطوليا يستحق الاحتفاء والترحيب. وكم من ابي رغالٍ بيننا!! وكم من اناس يصرون بسذاجة متناهية، او بخبث مبيت على ان يعيدوا تمثيل دور ابي رغال حين خان قومه وانضم الى اعدائه، واصبح دليلهم الى وطنه وعشيرته!! حدث ذلك في عام الفيل حين مضى ابو رغال والخيبة تصحبه، وسوء الطالع يلاحقه، ولعنات قومه تشيعه ليلتقي بابرهة عارضا عليه خدماته المخزية، وواضعا خبرته في معرفة الطريق الى مكة بين يديه يستحثه على التسريع في ضرب مكة وهدم الكعبة المشرفة!! لكن ابا رغال خاب فأله، وانقطع امله ومني جيش الغزاة بالهزيمة النكراء التي اوقعتها بهم اسراب من طيور الابابيل رشقتهم بالحجارة وحولتهم الى اكوام من الجثث يلعنها اهل الارض، ويطردها الخالق من رحمته. لقد مات ابو رغال لكن العبرة من قصته لم تمت!! ولقي من قومه ومن التاريخ ما يستحق، واصبح قبره مكانا ترشق عليه الحجارة، وتركله الاقدام!! واليوم ـ ومع الاسف والألم ـ هناك من يعيد تمثيل دور ابي رغال ولو بدرجات متفاوتة تقترب او تبتعد في مجافاتها لمصلحة امتها، ومحاباتها لمصلحة عدوها من الرجل الذي اصبحت سيرته مثلا بين الناس، واصبح ماضيه عبرة لكل من تسول له نفسه ان يراهن على حساب المصلحة العامة، ويزايد على حساب الامة، ويؤيد الاعداء في اطماعهم، ورغبتهم الآثمة في تصفيتنا، وتمزيق اوصالنا، وتقطيع ارضنا الى اجزاء ليسهل ابتلاعها وقضمها بالكامل!! وينبغي لكل من يؤيد ضرب العراق مهما كانت المبررات والاسباب التي يتكئ عليها، ويقدمها بين يدي موقفه المشين ان يخجل من نفسه، وان يراجع هويته وانتماءه، وان يتفقد قدرته على فهم ما يجري لان كل اعراض سوء الفهم قد بدت عليه. وليت المصرين على ان يرقصوا على جراحنا، الذاهبين مع اوهامهم ان يراجعوا انفسهم كما كان يفعل ذلك الخطيب اليوناني فوشيون، فيزنون ما يقولون، ويقيمون ما لديهم من بضاعة فكرية فربما كانت بضاعة مغشوشة وعديمة الصلاحية، ولديها من القدرة على الفتك والتدمير ما يماثل ان لم يزد على الخراب الذي تحدثه القنابل التي تسقط فوق رؤوس اهلنا في العراق. واليوم نحن نطالب كل من يعاني من اعراض سوء الفهم لما يجري على ارض العراق ان يمسك عليه لسانه، ويلوذ بالصمت، فالامساك عن الشر صدقة، وفيه سعة لهم ولنا، فلم يعد بنا من قدرة على سماع المزيد من التحريض على عراقنا الاسير، وكفانا ما بنا من جراح!!