الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 ها هو الخميس الحزين يطل عليك بوجهه المكفهر ليذكرك بخميس آخر مضى عليه قرابة الثلاثة عشر عاماً.. يومها.. ذات صباح من صباحات أغسطس الحارقة.. صحوت من نومك على صاعقة أطارت النوم من عينيك شهوراً بعد ذلك.. يومها تمنيت لو لم تكن قد صحوت من نومك أبداً.. لو كان ما تسمعه وتشاهده حلماً.. كابوساً حتى لو طال أمده.. لو تسرمد! يومها قلت إن هناك خطأ غير مقصود قد حدث.. ان خللاً ما قد أصاب بوصلة الدبابات والمدرعات والطائرات السمتية.. انك قد فقدت عقلك.. وليته حدث.. يومها طرحت كل الاحتمالات وكنت على استعداد تام لتصديق أبعدها لولا أن الحقيقة كانت ماثلة أمامك.. ويومها كانت الحقيقة قد تجاوزت كل حدود البشاعة.. كانت مؤلمة حتى أقصى درجات الألم.. جارحة للقلب.. للعقل.. للتاريخ.. للجغرافيا.. لكل ما يمكن ان يشتمل عليه قاموس الكلمات من مباديء اتفق عليها البشر.. يومها أدركت ان الأمة قد دخلت نفقاً مظلماً سوف يصعب الخروج منه.. بل سوف يستحيل. ومضت الأيام بعد ذلك تثبت لك يوماً بعد يوم صحة ما ذهبت إليه، فقد اتسع الفتق على الرتق، ولم يعد الشق شقاً.. تحول إلى فجوة كبيرة.. إلى هوة سحيقة أخذت معها كل الآمال والأحلام، وأحرقت كل الورود التي كانت تتفتح على يد أطفال الحجارة مبشرة بزمن مختلف.. زمن يمحو كل سيئات الماضي، ويعيد حرث الأرض التي أفسدت تربتها عشرات النكبات والمؤامرات وصراع الايديولوجيات والمصالح والانتماءات.. زمن ينقي الهواء من كل السموم التي تسللت إليه. وها أنت اليوم تعود لتستذكر تلك اللحظة لتقول ما أشبه الليلة بالبارحة، ولكنه شبه في المضمون فقط لأنه مختلف كل الاختلاف في الشكل، ففي ليلة الخميس الحزين الأخيرة هذه لم يغمض لك جفن.. لم تعرف طعم النوم كي تتمنى أن يكون الأمر حلماً هذه المرة أيضاً.. كابوساً.. لا فرق، فقد كانت كل الأشباح تحوم حولك.. أشباح الحرب.. أشباح المأساة.. أشباح الزمن الماضي.. أشباح الزمن الآتي.. أشباح تحمل كل أدوات الموت والقتل والتدمير. ليلتها تراءت لك عاصمة الرشيد الغارقة في أحزانها.. الباكية على تاريخ شوّهناه بأيدينا لا بأيدي غيرنا.. الخائفة من مستقبل لا دور لنا في صياغته. ليلتها استنجدت ببانيها المنصور العباسي.. ليلتها انطلقت تبحث عن الرشيد كي يهب لنجدة عاصمة خلافته.. ليلتها تمنيت ألا تظهر عيون المها بين الرصافة والجسر كي لا ترى مدينتها وهي تحترق.. ليلتها كانت الرصافة والكرخ أشد التصاقاً بدجلة.. تلوذان به كي يحميهما من حمم الموت المتربص بهما. ليلتها استدعيت كل أبطال «ألف ليلة وليلة» كي يحموا أزقة مدينتهم التي شهدت أروع ملاحم الحب والمغامرات وأعجب الحكايات. ليلتها مرت من أمامك جحافل هولاكو وهو يقود جيوشه لتدمير معالمها ومكتباتها ودور العلم فيها.. تراءت لك أكوام الكتب وهي تسد مجرى النهر وتحيل مياهه الى اللون الأسود رغم الدماء الكثيرة التي جرت فيه. ليلتها ظهر المغول مرة أخرى أمامك وتيمورلنك يعيد احتلالها مكرراً سيرة أجداده. ليلتها ارتفعت من جديد رايات الصفويين وهم يغزونها بقيادة مؤسس دولتهم اسماعيل الصفوي ويبسطون سلطانهم عليها. ليلتها حضر العثمانيون وأبناء بلاد لا تغرب عنها الشمس.. ليلتها كان الطابور طويلاً. ليلتها كان التاريخ يعيد مشاهد تلك الأسطورة. ليلتها استحضرت ثقافة «داحس والغبراء» و«البسوس» وحروب طويلة خلّدت أسماء أبطالها ليتغنى بها المنشدون.. يرددونها على أنغام الربابة في ليالي السمر. ليلتها مر شريط طويل من أحداث أربعة عشر قرناً حافلة بسنوات المجد والارتقاء.. وأخرى متخمة بمعارك نتوارث تبعاتها جيلاً بعد جيل أحقاداً وضغائن. ليلتها كانت «الجمل» و«صفّين» و«كربلاء» وسلسلة طويلة من المواقع التي تطل برأسها على المشهد فتضاعف من ألم اللحظة، وتنضو عن جفنك آخر أمل للإخلاد إلى غفوة تتناسى معها ألم الماضي وهول الآتي. ليلتها كان تراث ضخم من التاريخ يقودك نحو الإحساس بحجم المأساة فتتمنى ألا تأتي تلك اللحظة ويظل جحيم النيران حبيس الأفران. ليلتها كان هدير العقل كبيراً.. ليلتها كان نزيف القلب غزيراً.. وكان المطر الأسود يهمي ليبلل كل خلايا النفس المسكونة بالأحزان. ليلتها كان حصاد الريح عنيفاً.. كانت عواصف تثير رمال الصحراء التي لم يعرف ابناؤها كيف يحافظون على طهرها وبراءتها وعذرية رمالها. ليلتها تمنيت لو انك لم تولد.. أو لو ان الأرض قد غيبتك قبل أن تشهد هذا الفصل المهين، وتعيش تفاصيل هذا الزمن الحزين، وتنتظر كغيرك المقصلة وهي تهوي لتجز آخر ما تبقى لك من كرامة. ليلتها تمنيت ألا يطلع الفجر لأن الشمس قد استحالت قرصاً أسود لا يرسل نوراً ولا يبعث دفئاً. ليلتها كان الليل طويلاً جداً فابتلع نهارك.. وما عادت نسمات الصبح الباردة تهب.. تداعب وجهاً يتطلع للشمس المشرقة بآمال كبرى. ليلتها كان الرعب يخيم في كل الأرجاء.. ليلتها كان البطش يصادر كل الآراء.. ليلتها كان الظلم يعربد مقتلعاً كل الشرفاء. ليلتها كان الحزن عميقاً والليلة ليلاء. ليلتها كان البحث بلا جدوى عن زمن ينسيك المأساة.. عن نفق تعبره لتغادر أرض الملهاة.. عن حضن تودعه كل مرارات الأيام.. عن زمن لا يعرف طعم الآلام. وأخيراً نتساءل: أي حظ هذا الذي شاء أن يكون لنا في كل خميس موعد مع الحزن؟! وأي زمن هذا الذي نذهب فيه إلى حتفنا طائعين مختارين نحمل أكفاننا في أيدينا.. نخطب ود جلادينا.. ونغمد سيوفنا في نحورنا.. ونحمل غصاتنا في صدورنا؟! منذ ذلك الخميس الأسود، قبل ما يربو على اثني عشر عاماً.. كان يجب علينا أن نعي الدرس ونحتاط لأنفسنا قبل أن يداهمنا خميس آخر فيقضي على البقية الباقية منا.. ويجتاحنا في كل يوم خميس (الخميس من أسماء الجيش عند العرب). وإذا ما أتاك ابنك اليوم طالباً منك تفسيراً لما حدث فأطرقت إلى الأرض وحار على لسانك الجواب، فدعه ينظر في وجهك ليعرف حجم المأساة التي تعيشها أمته، وقل له: ـ لا تندهش يا بني، فقد مرّ خميس آخر من هنا، وهذه آثاره تشهد على أننا بلا خميس يذود عن حياضنا، ولا جمعة نقيم فيها أفراحنا، ولا أحد يأبه بنا.