الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 تقود الولايات المتحدة حرباً مدمرة على العراق دون تفويض من الأمم المتحدة، والتي تخلو من أي دعم سوى من ظلها أو إذا شئت الآباء الأوائل، بريطانيا، يمكننا تبيان الحقيقة الدامغة بأن اسرائيل كانت ولا تزال المبادرة، بل إذا شئت الركيزة الأساسية في إثارة الغبار الساخن حول العراق وما يمتلكه من أسلحة للدمار الشامل؛ بالإضافة إلى ديمومة التذكير بالأخطار الذي يمثلها العراق على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وليس سراً إذا ما قلنا بأن اسرائيل منذ وقت مبكر، أي منذ العام 1981 لجأت إلى إثارة مخاوف الغرب من تنامي القدرات العسكرية العراقية إن كانت هذه القدرات تقليدية أو غير تقليدية، وقد فتحت لهذا الموضوع الكثير من مراكز الدراسات الوهمية، لتثير صخب الغرب حول هذا الموضوع، باعتبار أن هذا الوضع يؤثر على مصالح الغرب بعامة والولايات المتحدة بشكل خاص، لما تحمله هذه المنطقة من أهمية استثنائية لإمدادات الطاقة التي لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنها. بل أبعد من ذلك، فقد أسست لهذا الغرض علاوة على مراكز البحوث، أقساماً تجسسية الهدف منها رصد كل حركة لأي تطور في هذا المضمار لديمومة إثارة حفيظة الغرب، أعني الولايات المتحدة وامتداداتها العضوية في أوروبا، كما أسلفنا، قبيل قصف المفاعل النووي العراقي الذي سمي بمفاعل «تموز» والذي كان لا يزال في طور البناء والتجهيز في تلك الحقبة بمساعدة فرنسية. بعيداً عن العودة إلى الماضي، فقد دأبت اسرائيل كسابق عهدها، قبيل اندلاع أزمة العام 2002 بالبدء بإثارة الضجيج الأمني والإعلامي الهادفة لتحريض الولايات المتحدة، وقد ظهر هذا الأمر بشكل واضح وجلي، فيما سمي باللقاء الدولي للحوار الاستراتيجي الأميركي ـ الاسرائيلي الذي عقد في فبراير، والذي أكد فيه الوفد الاسرائيلي لنظيره الأميركي أن اسرائيل إذا تعرضت للهجوم من جانب العراق فسوف ترد بقوة، بينما اكتفى الطرف الأميركي ليس بالموافقة بل ولاذ بالصمت، وكأن صاحب القرار بخصوص العراق اسرائيل أولاً، وهذا ما عبر عنه مؤخراً بعض أعضاء الكونغرس الأميركي الذين قالوا بأن الولايات المتحدة ترضخ لشروط اسرائيل واللوبي اليهودي الأميركي في حربها ضد العراق. ومن الملفت للنظر، أن اسرائيل رغم كل الإشاعات التي أثارتها حول العراق كانت كلها كاذبة ليس لديها أية دلائل، فقد بدأت التلفيقات تتضح أكثر عندما تقررت لحظة الهجوم على العراق، من خلال التصريحات التي أدلى بها مؤخراً بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع الاسرائيلي السابق بأن أجهزة الأمن الاسرائيلية لا تعرف عن الأسلحة والوسائل الكيماوية والبيولوجية الموجودة لدى العراق. وأضاف: أنا لا أستطيع أن أقول ماذا يوجد لديهم. أما بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الأسبق، فرأى قبل نحو شهرين من تسلمه لحقيبة الخارجية أن الولايات المتحدة حزمت أمرها لجهة ضرب العراق، وأن الرئيس الأميركي اتخذ قراره لإدراكه خطر امتلاك أي جزء من شبكة الإرهاب العالمية سلاحاً نووياً. وإنه على اسرائيل أن تدعم هذا الإدراك ليس فقط لأن العراق يهددنا إنما لأنه يهددنا جميعاً، (الاسرائيليين والأميركيين ). بالمقابل، فإن اسرائيل تدرك بأن العراق لا يهدد اسرائيل ولا يمتلك حتى أية أسلحة نووية، هذا ما أكده رئيس شعبة الاستخبارات الاسرائيلية الجنرال أهارون فوكش أنه ليس بحوزة العراق أسلحة نووية. وأن العراق لم يعد يشكل خطراً وجودياً على اسرائيل. وذلك في سياق اجتماع لمجلس الوزراء المصغر، الذي عقد لمناقشة التقرير السنوي للاستخبارات العسكرية ملخصه ـ حسب قول العميد يوسي كوفر فيسر رئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات ـ أن الصدام مع الفلسطينيين سيتواصل. وأن العراق وإيران وليبيا كعناصر تشكل خطراً استراتيجياً عالمياً. وهو التقرير الذي أشار أيضاً إلى أن الهجوم الأميركي على العراق سيغدو القضية المركزية في الشرق الأوسط في العام 2003 وستكون له آثار بعيدة على المنطقة بأسرها.ومن نافلة القول، أن من أبرز الخطوات التنسيقية بين الولايات المتحدة واسرائيل التي سبقت مهاجمة العراق قيام رئيس جهاز الموساد مائير دغان بمهمة سرية إلى واشنطن لبحث مسألة إشراك اسرائيل في ضرب العراق، وتبادل المعلومات ربما في ذلك اشتراك قوات خاصة اسرائيلية، وطائرات سلاح الجو الاسرائيلي وضباط ارتباط اسرائيلي في قيادة الأركان الأميركية ـ البريطانية المشتركة. كما سمحت اسرائيل للولايات المتحدة بإدخال كميات كبيرة من الوسائل القتالية إلى القواعد العسكرية الاسرائيلية لضرب العراق والتعاون الاستراتيجي بين الطرفين، حيث تقدم اسرائيل بموجبه مساعدات لوجستية ومعلومات استخبارية، وفي هذا الجانب نقل عن الرئيس الأميركي قوله: أنا لا أعتمد على العرب، أنا أعتمد فقط على دول صديقة مثل اسرائيل وبريطانيا. وفي هذا الإطار عين رئيس الحكومة شارون مستشار الأمن القومي افرايم هاليفي ممثلاً له في تنسيق النشاطات بشأن الموضوع العراقي ومنها اتصالات أجرتها اسرائيل مع أميركا طرحت فيها ضرورة أن يحتل الأميركيون وفي بداية العملية منطقة جنوب العراق إتش2 وبذلك تخفض إمكانية أن يطلق صدام من هناك صواريخ باتجاه اسرائيل. كما عينت واشنطن مساعد رئيس قادة الأركان المشتركة الجنرال جيمس ميتزغر ليكون حلقة اتصال بوزارة الدفاع الاسرائيلية طوال مدة الهجوم العسكري الأميركي على العراق. وقد أكدت هذه القضايا مجتمعة صحيفة الـ «واشنطن بوست» الأميركية، بأن قوات كوماندوس اسرائيلية عملت أخيراً بشكل سري في غرب العراق تمهيداً للهجوم الأميركي هناك. بحسب هذه الصحيفة أرسلت اسرائيل خلال الصيف المنصرم قوات خاصة إلى منطقة مجموعة مطار سلاح الجو العراقي القريبة من الحدود العراقية ـ الأردنية. وكان هدفها اكتشاف إذا ما كان العراق يحتفظ بالإضافة على منصات صواريخ «اسكود» بطائرات من دون طيار ذات قدرة على حمل أسلحة كيميائية وبيولوجية. ناهيك عن المراكز التجسسية شبه الثابتة المتواجدة في شمال العراق، والتي تعمل جنباً إلى جنب مع الطواقم الأمنية ـ العسكرية الأميركية، بحيث شكلت غرف عمليات فرعية تعتبر الجسر الواصل إلى وسط العراق مع الهجوم البري، أي الممول لكل المعلومات الأرضية الاستكشافية لحركة المدرعات والمشاة. ختاماً يمكننا الزعم بأن اسرائيل لم تكن بعيدة عن التحضير للعدوان على العراق بل كانت ولا تزال تشكل حجر الرحى في هذه العملية، وأن الكثير من قواتها اندمجت بقوات تحالف العدوان على العراق وأن الكثير من أطقم طياريها يقومون بذات المهمات التي تقوم بها الأطقم الأميركية والبريطانية. وقد يكون من أهم الأسباب وراء ذلك الحماس الاسرائيلي المنقطع النظير، وجهة النظر الاسرائيلية القائلة بأن ضعضعة الوضع القائم تشكل فرصة ذهبية ثمينة لحل كل مشكلات اسرائيل الخارجية من جهة، وتقلص مطالب الفلسطينيين الشرعية لدرجة يمكن اختزالها اسرائيلياً إلى أبعد مدى ممكن، أي تطبيق رؤية شارون لحل القضية الفلسطينية من جهة أخرى. ـ كاتب فلسطيني