الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 هل يؤدي التفوق العسكري التكنولوجي للقوات الاميركية والبريطانية إلى انتصار حاسم في الحرب الدائرة ضد العراق؟ الحروب، كقاعدة عامة، لا يقرر مصيرها التفوق التجهيزي وحده، بل وحتى من المنظور العسكري وحده هناك عوامل، مثل الطبيعة الجغرافية لارض المعركة، والاسلوب القتالي للطرف المدافع يمكن ان يؤدي في مرحلة متقدمة من الاقتتال إلى تحييد التفوق العسكري البحت. انطلاقاً من هذه القاعدة العامة يتبين لنا الآن ان هناك اربعة عوامل رئيسية يمكن ان تسهم بقوة وان بدرجات متفاوتة من التأثير في تحديد مصير الحرب الدائرة. اولاً، تنامي الضغط الشعبي، خاصة في الدول المشاركة في الحرب بصورة مباشرة: الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا. لقد رأينا خلال الشهور القلائل السابقة على اندلاع الحرب كيف استطاع الشارع في هذه الدول اكثر من غيرها ان يفرض وجوده على السلطة، مما يعكسه مثلا تمرد اغلبية الهيئة البرلمانية في حزب العمال البريطاني على حكومة بلير. فلولا ان قسماً كبيراً من نواب حزب المحافظين المعارض دعم بلير لسقط اقتراح المشاركة في الحرب من خلال البرلمان. والآن، والحرب تدور بالفعل، فإن الشارع في اميركا وبريطانيا واستراليا قد يعمد إلى تصعيد الفوران الشعبي نوعياً فتجنح المظاهرات العملاقة إلى حالة من العنف المنظم او العشوائي. وهذا التصعيد، اذا حصل سوف يكتسب قوة اضافية من خلال المظاهرات الضخمة في مناطق اخرى من العالم، هي بدورها أيضا قد تتحول إلى العنف مع توالي صور الحرب على الشاشات التلفزيونية. والسؤال الذي يطرح عند هذا المنعطف هو: هل يستطيع الشارع المنفلت في واشنطن ولندن وكامبيرا ان يفرض ارادته على السلطة الحاكمة واجبارها على وضع نهاية للحرب قبل ان تبلغ الحرب اهدافها المرسومة؟ ثانيا، هناك ضغوط الدول الكبرى المعارضة للحرب وتحركها الدبلوماسي المضاد. قبيل اندلاع الحرب وبعده سارعت فرنسا وروسيا والصين ودول اخرى إلى دمغها بأنها حرب «غير شرعية» او حرب «خاطئة». ومثل هذا الموقف السياسي الحازم يمكن ان يتطور بسرعة على طريق هجوم دبلوماسي تشنه هذه الدول الكبرى جماعيا ضد الولايات المتحدة وبريطانيا عن طريق حشد جبهة نشطة ضد استمرار الحرب. من ذلك مثلا الدعوة إلى جلسة استثنائية لمجلس الامن الدولي من اجل تسجيل ادانة دولية ضد القوتين المعتديتين او الجمعية العامة للامم المتحدة اذا استخدمت الولايات المتحدة او بريطانيا حق الفيتو لاحباط مشروع الادانة. ولكي ندرك قيمة مثل هذا التحرك فإننا ينبغي ان ننظر اليه كعامل اضافي للتذمر الشعبي في الغرب. ثالثا، التدخل التركي في العراق. اذا عبر الجيش التركي الحدود ودخل الشمال العراقي فإن مسار الحرب الاميركية البريطانية قد يتغير جذرياً، خاصة اذا حدث هذا التدخل في وجه معارضة اميركية. في هذه الحالة فإننا قد نرى شمال العراق وقد تحول إلى ساحة لحرب تركية كردية.. وقد يتسع نطاق هذه الحرب الجديدة اذا تدخلت قوات اميركية كطرف مساند للاكراد العراقيين ومما هو معلوم فإن اشد ما تخشاه القيادات السياسية لاكراد العراق في منطقتهم الخاصة في الشمال العراقي المستقلة عن سلطان الحكومة المركزية في بغداد هو تدخل عسكري تركي. ان تصفية الجيب الكردي في شمال العراق نهائيا ككيان مستقل هدف استراتيجي تركي ثابت لئلا يبقى نواة لدولة كردية ينضم اليها اكراد تركيا المتمردون على انقرة. ولذا فإن دخول الجيش التركي هذه المنطقة سوف يعني وقوع اشتباك قتالي حتمي بينه وبين الميليشيات الكردية العراقية. واذا وجدت قوات اميركية في المنطقة في هذه الحالة فإن من المحتم ان تدخل المعركة كحليف للميليشيات الكردية. وهكذا ينحرف مسار الحرب الاميركية البريطانية: رابعاً المقاومة العراقية. مع الاقرار بأن القوة العسكرية العراقية غير قابلة لمجرد المقارنة مع القوة القتالية الاميركية ـ البريطانية فإن خبراء الحروب الغربيين والشرقيين يجمعون على ان القيادة العراقية تراهن على خطة «حرب مدن». ووفقاً لهذه الاستراتيجية يتم استدراج القوات المهاجمة البرية إلى معركة فاصلة ونهائية حول مدينة بغداد وداخلها حيث يدور اقتتال طويل المدى من شارع إلى شارع. وفي هذه الحالة فإنه يتم بالطبع تحييد التفوق التكنولوجي من طائرات وصواريخ بعيدة المدى. هذه العوامل الرئيسية الاربعة تتداخل بالطبع.. ولذا فإن الحد الاقصى لتأثيرها على الصعيد العملي يتبلور عندما تتفاعل مع بعضها البعض مجتمعة.