الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 عندما توارى زعماء تحالف الحرب على العراق في جزر الآزور يوم الأحد الماضي ليجتمعوا بعيدا عن مظاهرات الغضب التي تواجههم حتى في عواصم بلادهم، كانوا في الواقع يضعون توقيعاتهم على البيان رقم 1 في العدوان على العراق. وعندما أصدروا بيانهم بعد اجتماع لم يستغرق سوى 45 دقيقة كانوا في الواقع يقومون بتمثيلية رديئة في محاولة تبرير العدوان ويطعنون الشرعية الدولية في الصميم حين يمهلون مجلس الأمن 24 ساعة لكي يوافق على اعلانهم الحرب على العراق والا ذهبوا وحدهم وحملوا مجلس الأمن مسئولية فشل الجهود السلمية!! وفي هذه التمثيلية الرديئة لم يستطيعوا المضي فيها للنهاية. ففي اليوم التالي كانت واشنطن تعلن أنها لن تعرض مشروع القرار الذي أعدته مع بريطانيا وأسبانيا على المجلس بعد أن أدركت أنها لن تحصل إلا على أربعة أصوات من جملة أصوات أعضاء المجلس الخمسة عشر. بعدها استمر الأداء الهابط للدبلوماسية الأميركية مع حلفائها في محور الحرب. فالرئيس بوش أعلن في خطاب حاسم أنه يخير صدام بين الاستقالة والرحيل من العراق أو الحرب ويمهله 48 ساعة لذلك. وفي اليوم التالي كان المتحدث باسم البيت الأبيض يعلن أنه حتى لو رحل صدام وأسرته ومعاونوه من العراق.. فإن الحرب ستستمر، والقوات الأميركية ستدخل العراق، ليتأكد من كان يتشكك في نوايا الإدارة الأميركية أن قرار الحرب قرار نهائي وأنه لا علاقة له بحكاية نزع أسلحة الدمار الشامل، ولا برحيل صدام، ولا بسقوط النظام العراقي، وإنما باستراتيجية واسعة للمنطقة وللعالم كله قد يكون احتلال العراق هو كلمة البداية في تطبيقها، أما أين تنتهي.. فهذا أمر تحدده العصابة اليمينية التي سطت على البيت الأبيض، وخطفت القرار الأميركي وجعلته في خدمة أهدافها. المهم هنا أن رئيس وزراء البرتغال الذي استضاف قمة الحرب وأعلن تأييده لها، عاد بعد ساعات ليؤكد أن بلاده لن تشارك فيها، وتبعه ازنار رئيس وزراء أسبانيا وأحد أركان التحالف الثلاثي. أما بلير رئيس الوزراء البريطاني فقد عاد ليخوض معركة مريرة في بلاده من أجل الحصول على موافقة البرلمان على المشاركة في الحرب، وبعد أن حصل على ما أراد ذهب ليستريح ليوقظوه في منتصف الليل ليعلم ان الحرب بدأت دون أن يعلم. إذا كان هذا هو حال حلفاء اليوم، وإذا كان حلفاء الأمس قد تحولوا الى مناهضين أشداء لهذه الحرب، فلنا أن ندرك مدى العزلة التي تعاني منها اقوى دولة في التاريخ وهي تنثر الرشاوى وتستخدم الوعد والوعيد وتجند كل امكانياتها لتمرير قرار يسبغ الشرعية على عدوانها.. فلا تجد من يؤيد مشروع القرار الذي قدمته مع تابعيها بلير وازنار الا بلغاريا، ويقدم رئيسها على اتخاذ قرار العدوان مباهيا بأنه يحظى بتأييد 40 دولة علنا وسرا.. أما من يؤيد في السر فلا حاجة للاشارة إليهم، وأما من يؤيدون في العلن فهم من عينة اسرائيل وانجولا. ولا يشير الرئيس الأميركي الى موقف باقي العالم ولا يعرف الخجل وهو يواجه معارضة أوروبا وروسيا والصين وشعوب العالم كله. الطغيان الأميركي نعم.. الولايات المتحدة في أقصى درجات قوتها العسكرية، ولكنها في أضعف حالاتها السياسية بعد أن خطفت عصابة اليمين الليكودي القرار الأميركي وسارت بأميركا في طريق أن تكون أقوى قوة استعمارية في التاريخ، بدلا من ان تكون نموذج الحرية والتقدم وحقوق الإنسان. وهذه هي الكارثة التي تواجهها أميركا، ويواجهها العالم كله معها. ومن هنا فإن النضال ضد الحرب العدوانية وضد تحول أميركا الى قوة استعمارية ليس فقط نضالا من أجل الشعوب الصغيرة والمستضعفة، ولكنه نضال من اجل الانسانية كلها. حتى لا تنفرد بالتحكم في مستقبلها هذه العصابة التي تحكم أميركا وتريد أن تستخدم قوتها الأعظم في اخضاع البشرية بدلا من مشاركتها السلام والأمن والطمأنينة والعدل وحكم القانون والقضية هي: هل يستطيع العالم أن يقوم بالمهمة الصعبة وينقذ البشرية من طغيان القوة العسكرية الأكبر في التاريخ، وينقذ أرواح الملايين التي ستذهب في العدوان على العراق وفي عشرات الحروب التي ستتم خارج الشرعية وفوق القانون اذا نجحت العصابة القابضة على السلطة في أميركا في اتمام جريمتها الحالية في العراق، وهل سيكون لنا (نحن العرب) دور في هذه المهمة التي يراها البعض مستحيلة مثلما يرون أننا أمة بلا حول ولا قوة ولا مستقبل؟ والجواب هو: نعم نستطيع ويستطيع العالم ان يوقف الكارثة، حتى اذا كان قطار الحرب المجنونة قد غادر محطة الاقلاع وبدأ في تنفيذ المهمة القذرة. ولا ينبغي هنا أن يهزمنا اليأس والاحباط قبل أن تهزمنا الطائرات والصواريخ. فنحن نعرف أن نتيجة المعركة العسكرية محسومة مقدما ولكن ما ينبغي أن يكون واضحا أن النصر العسكري لا يقرر مصير الحرب اذا كان يفتقد الى الشرعية ويبتعد عن المعايير الاخلاقية ولا يطرح نفسه الا كعدوان همجي واستعمار يزداد وقاحة عن استعمار القرن التاسع عشر بكل بشاعته وانحطاطه. ونعود هنا ما يقرب من نصف قرن من الزمان. الى حرب السويس عام 56، حين تآمرت فرنسا وبريطانيا مع اسرائيل للعدوان على مصر والخلاص من جمال عبدالناصر، وكيف انتهت رغم التفوق العسكري الكاسح لقوات الغزو ـ بالهزيمة الكاملة للعدوان وكانت هذه هي كلمة النهاية لامبراطوريتين كانتا تتحكم في نصف العالم، وبعدها تعلمت فرنسا الدرس وعادت لتساهم في بناء أوروبا القائمة على مبادئ العدل والحرية، وأعلنت بريطانيا انسحابها من شرق السويس والخليج العربي، وإن كان بلير يحاول اعادتها كذيل صغير للاستعمار الأميركي على غير إرادة شعبه المعارضة للحرب. مسلكية استعمارية بالطبع فإن الظروف تختلف.. الاتحاد انهار، والولايات المتحدة ليست فرنسا وبريطانيا.. فهي القوة الاعظم التي تتصاعد قوتها بلا منافس، والأوضاع العربية تختلف، والأهم من ذلك كله أن صدام ليس عبدالناصر الذي لم يفقد يوما البوصلة الدقيقة التي كانت تربطه بأهداف الأمة العربية وتبعده عن أي خطأ في حقها، ولا تورطه في أي عدوان على بلد عربي، بل وتمنعه من أن يدافع بالقوة المسلحة عن الوحدة السورية والمصرية حين انقض عليها المتآمرون الصغار والكبار في جريمة الانفصال.. مؤمنا أن الجماهير التي فرضت الوحدة ستستعيدها يوما ما مهما طال الأجل، وان المهم ان يبقى الحلم العربي نقيا من رائحة الدم العربي مهما كان الجرح أليما على الجميع. الظروف تختلف.. ولكن الاستعمار هو الاستعمار، واستباحة بلد عربي ـ مهما كانت المبررات ـ جريمة ان مرت فستكون البداية لسلسلة لا تنتهي من الجرائم. لقد بدأت أميركا عدوانها.. ومع بداية العدوان أخذت كل الأكاذيب التي روجتها تتهاوى، ولم تعد المهمة هي انقاذ العراق ولا أسلحة الدمار الشامل ولا حماية العالم من الأخطار الوهمية ولا بناء الديمقراطية هناك ثم عمل جسر جوي لتصديرها لباقي الدول العربية كما أشاعت من قبل! إنه الاحتلال بأي ثمن، والاستيلاء على النفط بأي طريقة، وبناء الامبراطورية الأعظم بعيدا عن أوهام (!!) الشرعية والقانون والعدل والحريات التي لم يعد لها مكان في تصور العصابة التي استولت على القرار الأميركي. مع بدء العدوان الأميركي على العراق توالت الاشارات: ـ اتفاق أميركي ـ بريطاني على أن يتحمل العراق تكاليف الحرب كاملة، ويسددها من عائد البترول الذي سيتضاعف انتاجه!! وطبعا سيدخل في تكاليف الحرب تلك المليارات التي توزعها واشنطن كرشاوى لشراء تأييد الحكومات لعدوانها! ـ بدء العمل ـ كقوة احتلال ـ على نهب الثروة العراقية وتوزيع الأسلاب والغنائم على الشركات الأميركية مع ترك الفتات للحلفاء الذين يشاركون في العدوان.. وهكذا تم تقدير تكاليف عملية اعمار العراق (بعد أن تقوم القوات الأميركية بتدميرها!) بثلاثمئة وخمسين مليار دولار.. أي أن البترول العراقي سيكون مرهونا لقوة الاحتلال الأميركية لعشرات السنين المقبلة. ـ بعد أن كان الحديث عن تواجد عسكري أميركي «اضطراري» على أرض العراق لأقصر فترة ممكنة.. أصبح الحديث الآن عن احتلال عسكري لعشر سنوات على الأقل، يكون فيها البترول العراقي «أمانة» لدى الأميركيين، وتكون فهيا المنطقة العربية كلها «رهينة» يجري اعادة تشكيلها «وفقا للمصالح الأميركية».. والأميركية فقط!! إنه الوجه البشع لأي استعمار، ومهما أطلق من دعاوى الدفاع عن الحرية أو تصدير الديمقراطية أو اصطناع نموذج للتقدم. ولا خيار للشعوب في وجه الاستعمار الا المقاومة من أجل اسقاط هذا المشروع الذي تتبناه العصابة التي سيطرت على قرار أميركا وتقود به بلادها والعالم كله الى كارثة. دروس التاريخ والمقاومة المشروعة والواجبة ستفرضها الشعوب في العالم كله. والتاريخ يعلمنا أن التهاون مع هذا التوجه العدواني يدفع القوى الاستعمارية الى المزيد من غطرسة القوة ومحاولة فرض الهيمنة، وأن الوقوف في وجهها يفتح الباب لإسقاط مخططاتها مهما كانت القوة التي تملكها.. ومادامت تفتقد الشرعية وتبتعد عن القانون والاخلاق. وتجارب الشعوب ـ وفي مقدمتها شعوبنا العربية ـ تؤكد أن المقاومة (بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والعسكرية) هي التي وضعت حدا للعدوان مهما كانت شراسته. ومن بورسعيد 56 الى الجزائر الى فلسطين كان الدرس واضحا وكانت الحقائق تقول: ـ إن الصمود الداخلي هو حجر الزاوية في كشف العدوان وفضح حقيقته. ولولا صمود مصر في 56 وتضحيات الجزائر وفلسطين لكان للتاريخ كلمة أخرى. ـ إن وعي الشعوب العربية في كل أقطارها كان دائما يضعها في الموقف الصحيح ضد العدوان الاستعماري.. وفي 56 كانت القواعد البريطانية تملأ المنطقة العربية، ومع ذلك خرجت الملايين في كل الوطن العربي تدين العدوان. وفي العراق نفسه خرجت الجماهير رافضة أن تستخدم قاعدة «الحبانية» البريطانية في العدوان.. ـ إن شعوب العالم تفهم جيدا حقيقة المعركة. والملايين التي تخرج لا تخرج دفاعا عن حاكم أو حكومة، وانما لأنها تعرف عاقبة السكوت على طغيان القوة والخروج على الشرعية الدولية. ـــ والتاريخ لا يعيد نفسه. ولكن الحقائق تبقى كما هي.. الاستعمار هو الاستعمار مهما ارتدى من أقنعة، والمقاومة هي الرد الطبيعي للشعوب في وجه العدوان مهما كان تزييف الواقع والقوة بلا مشروعية سياسية أو أخلاقية هي دمار للمعتدي قبل أن تكون تدميرا للمعتدى عليه. والمهمة بلا شك صعبة أمام العرب والعالم كله، لكنها تستحق كل تضحية. فليس المطلوب فقط انقاذ العراق، ولا انقاذ المنطقة من الفوضى التي تقاد إليها.. وإنما انقاذ العالم كله من سطوة القوة حين تبلغ مداها وتسعى لفرض منطقها على البشرية كلها بعيدا عن القانون والشرعية. ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم المصرية