الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 يرى صموئيل هنتنجتون في اطروحته حول صراع الحضارات ان الحضارة الغربية حديثة وغريبة، اي ان التحديث هو التغريب ، ومن ثم فإن «من يود ان يحدث فليغرّب» وبمفهوم المخالفة من اراد ان يبقى اسير البدائية ورهن التخلف والفوضوية فليحافظ على هويته العقائدية وانتمائه القومي. وجهة النظر المتطرفة التي يعتمد عليها مؤسس نظرية صدام الحضارات تلغي وبجرة قلم كل ما يسمى بالخصوصية والتراث والثقافة. وترى ان اي محاولة للتشبث بالخصوصية الثقافية لدى الدول غير الغربية هو اقرار بالفشل في الخروج من دائرة التخلف واللحاق بركب الحضارة الغربية. ولا يخفي هنتنجتون ولا فوكاياما السائر معه في الاتجاه التحريضي نفسه ضد ثقافات الشعوب امتعاضهما الشديد من اي مقاومة في سبيل «التحديث» الذي يبشران به. وفي حال المقاومة والرفض للاندماج الطوعي مع منظومة القيم الغربية فإن الصدام سيكون هو الرد العملي على المقاومين للتغيير، المصرين على المحافظة على ميراثهم الفكري وهويتهم الذاتية. هذه النزعة العدوانية نحو تجريم الانتماءات الثقافية والايديولوجيات المختلفة بتنا نراها اليوم واقعا ملموسا انتقل من عالم الافكار الى عالم الشهادة واصبح خياراً نافذاً، وامراً قائماً ترصده العين، وتسمعه الاذن، ويتفاعل معه الناس في اقطار العالم معلنين شعورهم بالصدمة ازاء التطبيق الحرفي لنظرية صدام الحضارات، والامتثال الطوعي لتجسيد فكرة حمل الشعوب على قيم الحضارة الغربية عبر البوابة العظمى للتغير الاجباري التي يتدافع نحوها الغزاة حاملين افكارهم العنصرية على حاملات الطائرات وعبر صواريخ سكود!! وان ما يجري على ارض العراق اليوم هو نتاج طبيعي للشراكة السوداء بين المنظرين للسلطة السياسية وبين الساسة انفسهم!! وهنتنجتون لم يكن في اطروحته المضللة شخصاً يعاني من هلوسة عقلية افضت به الى التحريض السافر على شعوب العالم المترددة في تجرع القيم الغربية، والمتباطئة عن الذوبان السريع امام النمط الغربي في التفكير والسلوك، انما كتب اطروحته وهو يدرك تماماً ان هناك من سيتبناها بالكامل، ويرى فيها مسوغاً فكريا يمنحه غطاء اضافيا يتدثر به خلف اطماعه واحلامه الاستعمارية. وان كانت هيئة الامم، واعلان ميثاق حقوق الانسان ابراجا عاجية رفعت فوق الرؤوس وفرضت كغطاء يضفي الشرعية على الاستبداد الغربي فإن اطروحة صدام الحضارات نوع آخر من انواع الحماية الزائفة التي يلوذ خلفها المستعمرون الجدد حاملين لواءها كسلاح علمي فعّال يمكن اعتماده لتمرير العدوان وتسويغ الظلم والطغيان. وفي حكمه الذي انزله على الآخر غير الغربي لا يمانع هنتنجتون في ابداء اعجابه الشديد بكل من خلع عباءة قومه وارتمى في احضان الغرب من امثال الكاتب الجامايكي نايبول الذي تخصص في تأليه الغرب، وتجريح العالم الثالث ومنه وطنه الام الهند، كما تخصص في الهجوم على الاسلام حين قال: «ان الحضارة الغربية هي الحضارة العالمية التي تناسب جميع الناس». نافيا ان تكون هناك حضارة اخرى تستحق البقاء والاحترام. كما لا يخفي كاتب اطروحة صدام الحضارات سعادته الغامرة من موقف رئيس المكسيك الذي تبنى الدعوة الى امركة شعبه بالكامل والحاقهم بقاطرة الثقافة الغربية دون قيد او تحفظ!! وفي التفاتته غير السارة، ووقوفه الطويل غير الموفق مع النظام الرسمي في الدول الاسلامية يبدي حماسه لكمال اتاتورك الذي قام بأشمل وأسرع عملية تحديث وتغيير انطلاقا من ايمانه بضرورة التخلص من الهوية والخصوصية والماضي. وما تراكم التجارب والمحاولات من دول العالم الثالث التي تهدف الى تبني قيم الثقافة الغربية الا المظهر الوحيد على تأهل تلك الدول للتقدم والتطور حسب المنطق العنصري الذي يتبناه هنتنجتون ويدافع عنه بضراوة ملحوظة. ترى أليس هذا التصنيف الاعمى للحضارات الانسانية دليلاً على التعصب الاعمى، والروح الاستبدادية للفكر الرأسمالي الغربي؟! او ليست هذه الآراء المتطرفة هي الوقود الحقيقي الذي يغذي احقاد الجالسين على كراسي الحكم في البيت الابيض؟! اليس نفي الآخر واذلاله والحاق مختلف الشرور به هو الفكر الرائج في الاوساط السياسية في الولايات المتحدة؟ اذا كانت الاجابة بنعم فان هذا يسعفنا في فهم ما يجري على ارض العراق. اما اذا كانت الاجابة بلا، فبماذا نفسر هذه الدموية والرغبة الآثمة في سحق الآخر واقتلاعه من الجذور؟!