الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 ولا يزال البحث جارياً عن البيئة التعليمية والتربوية الأفضل التي يمكن أن نأتمنها على مستقبل فلذات أكبادنا، إذ تبقى مشكلة المدارس الخاصة مصدر أرق الكثير من أولياء الأمور، عقب التدهور المخزي الملحوظ في مستوياتها في الآونة الأخيرة مقارنة بما كانت عليه في الماضي. ولا نزال نحن أولياء الأمور نحلم بأن تحدث معجزة ما، وتخرج لنا شركة محلية أو رجل أعمال مؤمن بأهمية قضية التعليم ليعلن عن تأسيس مدرسة بنظام ومستوى وأساليب تعليمية مختلفة عن تلك الأساليب الغثة والعقيمة المتبعة في المدارس الموجودة على الساحة الآن. مؤسسة تعليمية تؤمن أولاً وقبل كل شيء بأهمية استقطاب المعلم المؤهل لتدريس مادته، وتدرك ان ذلك لا يتحقق إلا إذا كانت مستعدة لدفع أجور أعلى لمن تتعاقد معهم حتى لو كان ذلك يأتي على حساب نسبة الأرباح التي تجنيها. فذلك هو السبيل الوحيد لمكافحة ظاهرة تدني مستويات المعلمين في المدارس الخاصة التي نشهدها ونعاني منها الآن أكثر من أي وقت آخر، ممن توكل إليهم مهمة تدريس مواد مهمة باللغة الانجليزية كالعلوم والرياضيات واللغات، بينما هم بالكاد يستطيعون صف جملتين بلغة انجليزية سليمة. أقول ذلك، وقد سئمنا من كثرة أخطاء المعلمين التي نكتشفها بشكل شبه يومي في كتب ودفاتر أبنائنا واضطرارنا للتصحيح باستمرار من ورائهم وهو ما يفضح مدى هزال مستوياتهم الاكاديمية. لقد كلّت ألسنتنا، وملّت من محاولاتنا لفت انتباه ادارات المدارس الخاصة لفداحة الخطأ الذي ترتكبه بتعيين أناس ليسوا أهلاً لهذه المهنة، إلا أن قيام أصحاب المدارس من التجار بحساب المسألة كلها من منظور مادي وتجاري بحت، وهو ما يجعل هذه المدارس مغلولة الأيدي. وما دام أن تلك المدارس مستمرة في استقطابها لفئة أرخص من المعلمين والمعلمات ممن أظهروا كفاءة فائقة في تحفيظ أبنائنا عبارات الشتم والسب بمختلف اللهجات العربية بدءاً من «يخرب بيتك» و«يقصف عمرك» إلى «انقبر» و«يلعن شكلك» أكثر من مهاراتهم في شرح مباديء العلوم وقواعد اللغة والصرف ونظريات الحساب، فاقرأوا على العملية التربوية الفاتحة. والأدهى ان هؤلاء المعلمين يتصورون انهم أزاحوا بعبقريتهم الفذة عنّا عبء التدريس والمذاكرة اليومية فأصبحنا متفرغين فقط لتنفيذ طلباتهم التعجيزية. فمعلم العلوم يريد صورة لخلايا كريات الدم الحمراء، ومعلمة الاجتماعيات تريد صورة شخص يقف يشير بيده الى خريطة ومعلمة التربية الاسلامية تريد صورة امرأة تصلي ولم يبق إلا أن يطلبوا منّا صورة للبن العصفور شريطة ألا تكون مأخوذة من مجلة ولكن من الانترنت أو من موسوعة علمية. وتصور أن تشتري موسوعة علمية باهظة السعر لمجرد أن تقطع صورة منها وتلصقها في دفتر النشاط من أجل أن يتكرم المعلم بالدرجات الخمس التي سيمنحها للتلميذ رغم يقينه ان الأخير لم يتعب فيها بقدر تعب أهله. والخطير في الأمر ان معظم هؤلاء المعلمين يقومون بأوامر من الادارة المدرسية بتغشيش التلاميذ في الاختبارات الشهرية والنهائية للتغطية على ضعف نتائجهم المرتبطة بشكل مباشر بضعف أداء معلميهم وذلك لضمان نجاح جميع التلاميذ وارضاء أولياء الأمور استمراراً في حلب جيوبهم بدليل اننا لا نسمع اطلاقاً عن حالات رسوب في هذه المدارس. ونحن لا ننكر وجود بعض المدارس الخاصة التي قد نجد فيها ما نبحث عنه من ناحية مستوى التدريس وأساليب التعليم التي لا تعتمد على الحشو والتلقين وذلك في مدارس الجاليات الأجنبية، إلا ان ما يخيفنا منها هو ضياع الهوية الوطنية وانعدام احساس ابنائنا بالانتماء للوطن والدين في تلك الاجواء الغربية والفصول التي تجمع بين عشرات الجنسيات والأديان. وبما أننا نعلم الآن ان قضية الارتقاء بمستوى التعليم هي الشغل الشاغل لأولياء الأمور منا كما أثبتته الأيام الأخيرة فإن ما نتمناه هو أن تتبنى شركة محلية ضخمة بمستوى «إعمار» مثلاً مشاريع تعليمية باعتبار انها تجارة رابحة ايضاً، فما دام ان هناك ذرية تنجب ستكون هناك دوماً جيوب تدفع. ومثلما تبهرنا «إعمار» بمشاريعها الطموحة التي نسمع بها يوماً بعد يوم كأكبر برج في العالم وأضخم مركز تسوق وخلافه، فإننا نتلهف ايضاً لإعلان منها عن تشييد أرقى وأكبر صرح تعليمي أو تأسيس سلسلة من المدارس الخاصة ذات النظام المختلف الذي يلبي متطلبات العصر. فمثل هذه المنافسة قد ترغم أصحاب المدارس من التجار الجشعين على اعادة النظر في مستوى الخدمة التعليمية التي تقدمها مدارسهم وتكسر الاحتكار الذي فرضوه على سوق التعليم الخاص. ebtesam@albayan.co.ae