السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 اليوم هو الثالث في أجندة الحرب الأميركية التي لم تهدأ على مدى إثني عشر عاما، ولعل هذه الإدارة الأميركية هي أشرس الإدارات وأشدها حمقا وتهورا ممن عملوا على أزمات الشرق الأوسط، لكن العالم لم يكن بريئا تماما براءة الذئب من دم ابن يعقوب. أمران يستدعيان التوقف عندهما في خضم الحرب التي تشتد وتزداد ضحاياها هما: الجيوبوليتيك الأميركي الذي بدا ان الأميركيين الأشد جهلا به، والموقف الدولي خارج وداخل مجلس الأمن. وبدءا بالجيوبوليتيك وهي نظرية بريجينسكي المفضلة، والتي ساق وفقها الأميركيون ترتيب نظامهم الجديد وخاضوا لها الحروب المتتالية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، نجد ان المعلومات التي يملكها الأميركيون خاطئة ترقى الى مستوى الجهل بالجغرافيا والتاريخ وبحقيقة الشعوب وخاصة العراق، فمع أول رشقة صواريخ أميركية على بغداد اضطر الرئيس الأميركي الى التصريح بعد الزهو الكبير لوزير دفاعه رامسفيلد، بان الحرب ستكون صعبة وانه ينبغي توقع ضحايا، وبدا انها ليست نزهة كما وعد رامسفيلد جنوده ورئيسه والكونغرس الذي لاأشك بان الصينيين أصابوهم بالأخوة الثلاثة:«لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم». مجال الخطأ يتعدى المعرفة الجغرافية والتاريخية بالعراق وشعبه الى المعلوماتية الخاطئة التي يوفرها السي آي أي للادارة الأميركية، فعلى سبيل المثال اوردت المصادر العسكرية الأميركية ان « مجمع المثنى العسكري» أحد الأهداف الاستراتيجية والحقيقة ان الموقع هو ماكان يسمى حتى أواخر 1998 بـ «مطار المثنى» والذي هدم وبني مكانه جامع كبير ذو مساحات واسعة لاكثر من الف مصل، ويصدق ذلك على المعلومات التي تعود في مايبدو الى 7 سنوات ماضية إن لم يكن أكثر، فالعراق كما هو معروف أعاد بناء بنيته التحتية وتخلص من كل ماكان يمت للشركات الاجنبية بصلة من معمار، وغير في مواقع كثيرة ولذا نجد ان الأميركيين سقطوا في فخ المعلومات الخاطئة. ومع الأميركيين نجد ان الفضائيات العربية والغربية سقطت في نفس الفخ فراح محللوها يدلون بدلاء فارغة لاتستند الى معلوماتية جغرافية أو سياسية كافية ولست أدري كيف يسمى المحلل محللا وهو لايمتلك أدنى معرفة جغرافية أو تاريخية أو لوجستية، والأغرب ان يستخدم الجميع المعلومات الأميركية والغربية التي هي خاطئة وغير دقيقة أيضا، وبالطبع منذ اللحظة الأولى للحرب اكتشف بوش أول الغيث من الخداع والجهل المعلوماتي ووقع المحللون في ربكة شديدة، وستثبت الأيام أن الرئيس الأميركي كان على خطأ، نبهه اليه الروس والفرنسيون والصينيون والألمان قبل الآسيويين والعرب وقالوا له: «العراق ليس افغانستان وليس قرية صغيرة وجيشها مؤسسة عريقة في القتال» . وبغض النظر عن التفوق التكنولوجي العسكري، إلا أن الواقع يؤشر ان الحرب ستكون صعبة على مختلف المستويات كائنة ماكانت النتائج، وهنا يتبادر السؤال للاذهان: إن كانت أميركا قد اثبتت جهلا في السياسة وفي الجيوبوليتيك فكيف ترنو لقيادة العالم؟ لقد كان الفرنسيون هنا على حق عندما قالوا ليس المهم ان تملك القوة ولكن المهم ان تملك العقل الذي يستخدمها خير استخدام ولعلهم توقفوا هنا عن السقوط في الوحول الأميركية. أما الموقف الدولي الذي رأيناه يستل سيوف الفرسان عندما كان مجلس الأمن مايزال مجلسا للامن فيبدو انه أبن مجلسه ، لقد توقع العالم أجمع عندما دعا وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف الى جلسة لمجلس الأمن أن يوقف التهديد الأميركي ويستخدم حق النقض ضد حرب كانت ماتزال لم تنشب بعد خاصة وان الخطاب الروسي شدد على ان هذه الحرب خارج الشرعية الدولية ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة، وله في حلفه مع الفرنسيين والالمان سند. لكن الذي حدث هو ان الجميع سكت عن معارضة الحرب بغير الكلمات، جاء الألماني الذي تعارض بلاده الدخول في الحرب وقد عارضتها قبل شنها أصلا لينتشل مجلس الأمن من سقوطه المريع ويربت على كتف الأمين العام الذي فقد أمانته عندما أوقف برنامج النفط مقابل الغذاء وهو المنفذ الوحيد للغذاء والدواء للعراقيين، ومع أنه تشدق بكلمات المعارضة إلا ان بلاده أعلنت منذ الإطلاقة الاميركية الأولى أنها سترسل قوات إضافية للكويت وفتحت أجوائها للاميركيين وقدمت لهم المساعدات اللوجستية، وكان الأولى ان ترسل القوات لحماية العراقيين، وذلك هو اهم عناصر إرساء السلام والأمن الذي يطالب به. وبهتت لهجة الفرنسي الذي بدا مضغوطا عليه رغم انه لم يهن أو تضعف حماسته المعارضة للحرب ولم يخرج، وهو الشاعر، عن لغته الشعرية والأدبية ومبادئ الديمقراطية الحقيقية مما يحسب له، لكن مايحسب عليه انه كان أعجز من كلماته السابقة واللاحقة على وقف الحرب ولست أدري لماذا أضاعت فرنسا فرصتها الأخيرة للنهوض كقوة ولو متوكئة على روسيا والصين، ولم يكن الروسي الذي دعا للجلسة العاجلة للمجلس بأفضل حالا، فقد بقي يمط الكلمات متغزلا ببليكس وعنان ومجلس الأمن الموقر، رغم أنه أكد بلهجة حيية ان الحرب تخالف القوانين الدولية وميثاق المنظمة الدولية، وهنا أدركه الصباح وتوقف عن الكلام المباح. لقد حاول الأطلسيون والروس والصينيون ان يرفعوا المسئولية عن مجلس الأمن الذي فتح أبواب العراق على مصراعيها للحرب الأميركية فما كان يجب ان يوقف التفتيش أوتسحب المنظمات العاملة ومراقبوا السلام في المنطقة بين العراق والكويت، وبمجرد ان غادر هؤلاء المراقبون أسقط الأميركيون كل القرارات السابقة بوقف القتال وخرجوا على القانون الدولي وأصبحوا دولة معتدية بتمهيد من الأمم المتحدة. الأمر الأشد إيلاما كان كلمة العراق التي جاءت مستسلمة ومسكينة وخافتتة الصوت، ولم تزد على العزف الاورو- آسيوى اكثر مما زاد حنون في الإسلام ، كان الأجدى بممثل العراق ان يرقى قليلا الى مستوى الموقف النضالي السوري الذي كان يصول في الساحة وحيدا على فرس مفردة، وكان الأجدى ان يرفض الدوري القرار 1441 بعد الحرب، والذي اسقطته الولايات المتحدة باعلانها الحرب التي هدفها المعلن هو نزع التسليح العراقي بالقوة، واستخدام القوة يلغي اسس القرار التي تنزع بالسلم لابالحرب. بل كان الأجدى أيها العراقي صاحب التاريخ الرائع ان ترقى الكلمة الى مستوى صمود الشعب العراقي الأعزل والشجاع الذي اختار ان يدافع عن أرضه وعرضه، ويطلق صرخة احتجاج حتى ولو سقطت على آذان صماء فالعالم كله كان يسمع والشعوب هي الباقية، واشجار النخيل تموت واقفة، إذا كان لابد من الموت وحيدة.