السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 بدأت الحرب التي ارادتها الولايات المتحدة ضد العراق، فمنذ اشهر والولايات المتحدة تخطط للوصول الى اللحظة التي تستعرض فيها قوتها وقواتها وترسانتها العسكرية. ولهذا تعمدت القفز فوق كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية. وجعلت من الحرب في حد ذاتها هدفا تصل به الى أهداف اخرى. ولان واشنطن تحدت العالم طوال الأيام التي سبقت الحرب، فانها بعد الحرب تقف عارية منعزلة من اي غطاء قانوني او دولي، ولم تستطع مدافعها وطائراتها ان تغطي حتى الآن على اصوات الرافضين للحرب، فكل الذرائع والحجج الاميركية لم تقنع أحدا ولا تزال. واليوم تقف الولايات المتحدة كدولة مارقة أمام العالم، وهي التي اتهمت العراق دوما بهذه التهمة، وسوف يستمر المروق الاميركي ما استمرت الحرب التي لا يعلم احد متى ستنتهي، حتى الذين اشعلوها لا يعلمون ذلك. الرئيس بوش ومعاونوه الذين صرحوا مرارا بأن حربهم ستكون قصيرة وسريعة تراجعوا عن هذه الاقوال وعادوا ليعلنوا ان الحرب قد تطول، وهو ما يعني ان الحرب الاميركية لن تحقق اهدافها بسهولة، وربما تظل هذه الاهداف معلقة لأمد طويل، او ربما لن تتحقق مطلقا، وان العراق الذي توقعوه هدفا سهلا ليس كما ظنوه منذ البداية. وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية هائلة، الا ان هناك عوامل ومحددات اخرى تتقاطع مع القوة العسكرية بما يقلل من تأثيراتها او ربما تحجمها بما ينعكس سلبا على تحقيق الاهداف الاميركية من هذه الحرب الى حد قد يصل بها الى الفشل الذريع، وهذا احتمال غير مستبعد، وهذه العوامل هي: ـ الوضع الداخلي في العراق والولايات المتحدة. ـ الموقف العربي. ـ الموقف الدولي. وعلى صعيد الوضع العراقي، فقد تمت عملية تعبئة شاملة مع اتضاح النوايا العدوانية الاميركية واذا نجح العراق في الحفاظ على تماسكه وصلابته امام العدوان الاميركي فانه يصبح قادرا على اطالة امد الحرب بما يحرج الولايات المتحدة الاميركية وينال من معنويات قواتها، اما اذا استطاعت القوات العراقية استدراج الاميركيين الى حرب مدن وانزال خسائر بشرية جسيمة بهم، فان ذلك لا يعزز فقط من فرص الصمود وانما يقرب العراقيين من الانتصار. فالداخل الاميركي لن يقف هادئا اذا ما بدأت توابيت الجنود القتلى من ابنائه تعود اليه، فالاميركيون ـ الشعب ـ قد يقبلون بحرب طويلة مدمرة لخصومهم لكنهم لا يتحملون ان تحصد ارواح ابنائهم في الحرب ـ اي حرب ـ فلا النفط ولا جورج بوش يستحقان التضحية بهذه الارواح. فالقوات الاميركية التي انهزمت في فيتنام ثم في الصومال انهزمت في الشوارع الاميركية قبل ان تنهزم في ميادين القتال. ولا شك ان هذا الرهان قائم في ذهن العراقيين وخططهم العسكرية. وهذا ما يعلمه أيضاً المخططون الأميركيون ويخشونه ويتحسبون من الوقوع في هذ الشرك فأي جيش نظامي مهما تعاظمت قوته لا يستطيع الصمود أمام مقاتلين متمرسين في حروب المدن. والعراقيون وإن لم يكونوا متمرسين جيداً في هذا الميدان، فهم أهل الأرض وهم أدرى بمدنهم. ولعل هذا يفسر سر تراجع ادارة بوش عن تصريحاتها السابقة بشأن الحرب السريعة الخاطفة، والتأكيد على أن الحرب ستطول أكثر مما كان يعتقد. وهذه التصريحات الأميركية في حد ذاتها تحمل بذور هزيمة اميركية مبكرة، فكل يوم يطول في أمد الحرب تخسره أميركا معنوياً وسياسيا، بل وعسكرياً ويكسبه العراقيون على الصعد الثلاثة، بل ويضيفون رصيداً عربياً ودولياً إلى رصيدهم الداخلي. ولكن كل هذه المكاسب المحتملة قد تنهار إذا ما نجح الأميركيون في النيل من تماسك الجبهة الداخلية العراقية، أو إذا انقلب العراقيون أو بعضهم ضد بعضهم البعض. وفيما يتصل بالموقف العربي، فإن المؤشرات الأولية منذ بداية الحرب ـ وربما قبلها ـ تكشف أن الجبهة العربية لاتزال هي أضعف الجبهات على صعيد العدوان الأميركي ضد العراق، مع العلم أن الرهان هنا ليس على الحكومات وإنما على الشعوب. ولكن كلما طال أمد الحرب كلما ازداد الداخل العربي سخونة فهذه هي طبيعة الداخل العربي دوماً. ومن ثم فإن المظاهرات التي شهدتها بعض المدن العربية مرشحة للتزايد بما يجبر كثيرا من الحكومات العربية على اتخاذ مواقف أكثر جدية لمساندة العراق. ولكن هذا كله لا قيمة له ما لم يستمر الصمود العراقي ويتعزز في مواجهة المعتدين. فالداخل العربي أدرك منذ زمن بعيد أسباب العجز والفشل العربي ويتطلع إلى علاج هذه الأسباب. ويدرك أيضاً ان العدوان الأميركي على العراق قد يكون نافذة لاصلاح النظام الرسمي العربي (قطرياً وقوميا)، ولذا فإن الصمود العراقي يعزز من موقف الشارع العربي، ويقود الى إجبار الحكومات العربية الى اتخاذ مواقف تضامنية قوية وفعالة يمكنها تعضيد مواقف القوى الكبرى الرافضة للعدوان، والتنسيق معها ضد الحرب الاميركية. ويقودنا هذا إلى الموقف الدولي وهو موقف رافض للحرب بكل قوة لعل أكثرها قوة ما جاء من باريس وبرلين وموسكو وبكين إلى غيرها من دول العالم الأخرى. فالسياسة الدولية حملت الولايات المتحدة مسئولية العدوان على العراق وأكدت ان هذه الحرب غير مبررة، وغير أخلاقية، وطالبت بإيقاف هذه الحرب فوراً. صحيح ان هذه القوى لا تستطيع ادانة الموقف الأميركي واجبار واشنطن على وقف الحرب عبر مجلس الأمن، إلا انها تمتلك أدوات أخرى مثل دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الانعقاد واصدار ادانة للولايات المتحدة وبريطانيا، لكن ذلك كله يصب في الداخل العراقي والداخل الأميركي، فهما القادران أكثر من غيرهما على ايقاف أو حسم الحرب. وليس متصوراً ان الدول الرافضة للحرب ستساعد العراق عسكرياً مثلما فعلت بكين وموسكو ابان حرب فيتنام، ولكن صمود الشعب العراقي كفيل بسد هذه الثغرة، حيث يعوضها إلى حد ما الموقف الدولي المتصاعد ضد الولايات المتحدة والمساند للعراق، فالصمود العراقي مثل القاطرة التي ستجر الدول إلى مزيد من التصلب في مواجهة الولايات المتحدة، كما ستجر الوضع العربي إلى المزيد من التصاعد الشعبي الضاغط على الحكومات. وليس من المتصور في ظل هذه المعطيات الحالية والمتوقعة ان تحقق الولايات المتحدة اهدافها من هذه الحرب في وقت قريب وربما تطول الحرب أكثر مما خطط له الأميركيون.