السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 نظرياً كان يفترض أن تضيق كل المدن العربية بحشودها الغاضبة مع الساعات الأولى لقصف العراق .. إن لم يكن غضبا في الدين والعقيدة، فإحساساً بخطر مشترك يداهم الجميع، وإن لم يكن خوفاً على جزء من الأمة مهدد بالإبادة، فإدراكا لنوايا غزاة لا تشبعهم دماؤنا مهما شربوا منها، وثرواتنا مهما جرفوها، وإرادتنا مهما سلبوها، وإن لم يكن غضب بسبب الروابط التي تجمعنا بالعراقيين من دين وقومية وتاريخ مشترك ومستقبل واحد، فغضب إنساني عام في حده الأدنى حيث القوي المتغطرس يحاول أن يسحق الضعيف صاحب الحق. الأمة كان يفترض أن تمثل رابطة أبوية في وقت الخطر، والأب يحب من أبنائه أكثر الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يصح والغائب حتى يعود والمحارب حتى يسلم من سهام الأعادي. ليس التظاهر فحسب، بل العصيان كان بديهياً أن تعاني منه العواصم العربية في الظروف المأساوية التي نعيشها، غير أن البديهيات سقطت، وأصبح مجرد الكلام عنها تجديفاً في الهواء. لابد إذن أن تشوهاً ما لحق ثقافة المجتمع في وطننا العربي، وجعلنا كجمهور عام خارج حسابات أنفسنا، قبل أن نخرج من حسابات الساسة الذين يتخذون القرار نيابة عنا، كما أوجد حالة من الوعي الزائف للإنسان العربي بذاته وبذوات الآخرين، إذ أمسى معدوم الثقة بالذات، مهولاً في قدرة الآخر الأجنبي إلى حدود الأسطورة، لذلك شاعت حالة يقينية من أن الفعل وعدمه يستويان، ومن ثم فإنه لا طائل من وراء أي شيء، ولا نتيجة لإعلاء الصوت بما يعتقده المرء صحيحاً، فاخترنا الجلوس في البيوت ومراقبة ما يجري بعيون مخدرة، أصبحنا جموعاً ترى ولا تستوعب.. تسمع ولا تفهم، تضرب على خدها الأيمن فتدير الخد الأيسر، وكأنها تستعذب الضربات، ولا يتولد لديها شعور بالذات إلا تحت السياط. تشوه ثقافتنا لم تبرزه الحرب الوحشية ضد العراق، والتي تدور رحاها الآن، وإنما أسفر هذا التشوه عن وجهه القبيح في مناح كثيرة من حياتنا، وجرنا إلى مناطق تتداخل الأسباب فيها بالنتائج، فشاعت فلسفة تقبيل الأيادي في السياسة كما في غيرها من المجالات، الناس يقبلون أيادي الحاكم، والحاكم يقبل يد الأجنبي صاحب السطوة، غير مدركين أن هذه الفلسفة فشلت على امتداد التاريخ، فالقوي يقرر وينفذ مادام قادراً لا يغير من موقفه كثيراً أن تستعطفه أو تريق دموعك عند قدميه. بل يزيده ذلك عتواً وثقة كاذبة بالذات، فيمعن في ظلم من يستضعف نفسه أمامه، ويحسب حساباً لمن يتحداه. يكفي أن ننظر من بعيد إلى موقف الإدارة الأميركية تجاه دولتين صنفتهما إدارة بوش معاً ضمن محور الشر .. الأولى تهدد وتتوعد بقصف مدن أميركية، وتعلن امتلاكها لأسلحة نووية، والثانية كانت أوشكت أن تتوسل للمجتمع الدولي حتى يقف إلى جانبها أملاً في تجنب أنياب الأميركيين، ومع ذلك الأميركي يختار حبال السياسة الطويلة مع الأولى، ويحشد كل آلته العسكرية لتدمير الثانية، رغم أن المنطق كان يفرض أن تبدأ تلك الآلة بمن يمثل لها تهديداً حقيقياً، وتترك عدوها الآخر الضعيف خارج الأولويات. تشوهات الثقافة العربية لحقت الإعلام أيضا، فقد أصبح لا يخاطب الناس بقدر مايستخدمهم لمخاطبة أهل السلطة، وأصبحت السلطة تحاول استخدامه لمخاطبة الأجنبي وإرسال إشارات اليه، إضافة الى تصفية الحسابات الصغيرة مابين الأنظمة وبعضها. هذا الأمر جعل وسائل الإعلام بنادق نزعت منها إبر ضرب النار، لا تصلح لإحداث تغيير، ولا تكسر تلك الحلقة الجهنمية من حالة الدوران في فلك شخوص السلطة، وإنما تجعلهم اختصاراً للأوطان رمزاً ومعنى .. إذا مرضوا مرض الوطن، وإذا زالوا تهدد الوطن الوطن الزوال، رغم أن العلاقة تصبح عكسية ( إذا ماكانت هناك علاقة أصلاً) في غالبية أقطارنا العربية. ولأن ثقافتنا لحقتها التشوهات، فقد تلفت البوصلة التي نحتكم إليها، وصار اعترافنا بأخطائنا على رأس المحرمات، فهزائمنا انتصارات، وكوارثنا نكسات .. وضعفنا حكمة وبعد نظر، وسلبيتنا حلم. ليس يغير الواقع كثيراً أن نطلق مسميات مغلوطة على حقائق نعيشها، هل لو سمينا قنبلة نووية فتاكة ( تمثال الحرية ) يغير ذلك من طبيعتها كثيراً ؟ لشكسبير عبارة جميلة يقول فيها «ما أهمية الاسم .. إن الوردة ستظل رائحتها زكية أياً كان الاسم الذي تطلقه عليها». سمينا موتنا حياة، واحتلالنا صداقة... ولامبالاة البشر في مدننا أمنا واطمئنانا... وتسليمنا لدولة شقيقة يفترسها العدو دهاء... وذلنا انحناء لعاصفة !! ما أتعس التسميات حين لاتكون لها صلة بحقائق الواقع، وما أتعسنا من أمة تسيس الثقافة وتجعلها رهناً لدول قطرية، وأنظمة متنافرة تتبع الأجنبي بأكثر مما تحرص على مصالح الأوطان. ثقافتنا أسيرة للسياسة تحتاج إلى من يحررها، وإذا بقيت على هذا الحال فلا رجاء في استقلال، ولا أمل في حرية. طالما ظلت أسيرة فإن المستعمر يبقى بداخلنا، وإن لم نخرجه من أنفسنا لن يخرج من أرضنا، كما قال يوماً أحد المصلحين. مهما كانت الأقدام الغازية ثقيلة، والأنفاس محسوبة علينا، والطوفان يجبر كلاً منا على أن يضع أولاده تحت قدميه. مهما كانت الظروف التي نعيشها بائسة، فإن التاريخ لن يغفر لنا هذا الصمت، وإن غفر التاريخ فلن يغفر الله.