السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 منذ بداية عملية التسوية لم يكل ولم يمل قادة أميركا واسرائيل عن احالة العداء ضد اسرائيل والصراع معها الى غياب الديمقراطية في العالم العربي! وبعد حدث 11 سبتمبر، لاقى هذا الادعاء رواجا كبيرا في الخطابين الأميركي والاسرائيلي، حيث تم تبرير الاعتداء على مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون في واشنطن بدعوى الارهاب الذي يجد تربة خصبة في البيئة العربية ـ الاسلامية التي تفتقد للديمقراطية ويسود فيها الفساد ما يؤدي الى مفاقمة الفقر والاحباط وزيادة فجوة التخلف الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. وفي الخطاب الأميركي ازدادت وقاحة الخطاب الداعم لاسرائيل بسبب وجود مجموعة الصقور من المحافظين الجدد، في دوائر البنتاغون والخارجية، من مثل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ونائبه بول فولفويتز، ومساعده دوغلاس فايث، وريتشارد بيرل، واليوت ابراهامز المسئول عن ملف الشرق الأوسط في وزارة الخارجية. وهذا الاتجاه يدعي بأنه ينبغي اعطاء الأولوية لاعادة هيكلة العالم العربي عبر نشر الديمقراطية والاقتصاد الحر وتغيير الأنظمة التعليمية السائدة فيه، على أساس أن ذلك سيسهل عملية ايجاد حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي الواقع فقد نجحت هذه السياسة في صرف أنظار العالم عن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني جراء الممارسات الارهابية والتدميرية الاسرائيلية، كما نجحت في ادخال أجندة الاصلاح أولا «قبل التسوية» على الجهود الدولية الرامية لايجاد حل للقضية الفلسطينية، الى درجة أن هذه القضية انقلبت من قضية احتلال واستيطان وعدوان على الفلسطينيين، من قبل اسرائيل، الى قضية اصلاح للسلطة الفلسطينية وقضية «ارهاب» يقع على عاتق هذه السلطة وقفه بمختلف الوسائل! أوهام خادعة ومن جهتها فقد عزفت اسرائيل كثيرا على هذا الوتر مدعية بأن الارهاب الذي ضرب أميركا يشبه ما تتعرض له! وأن سبب العداء العربي لها ينبع من انتمائها للغرب ونظامها الديمقراطي ونمط الرفاهية التي يتمتع به سكانها. وقبل الحدث الأميركي بكثير اعتاد قادة اسرائيل تبرير مواقفهم السياسية المتعنتة، والتي تتمثل برفض الانسحاب من الأراضي المحتلة والتمسك بالتفوق النوعي العسكري على الدول العربية واستثناء اسرائيل من معاهدات حظر أسلحة الدمار الشامل وأولوية الأمن على السلام مع العرب، بدعوى ضرورة الربط بين التسوية ووجود الديمقراطية في العالم العربي، على أساس أن الصراع مع اسرائيل انما هو تحصيل حاصل لغياب الديمقراطية في البلدان العربية، وأن عكس ذلك هو صحيح، أي أن الديمقراطية ستقود بشكل طبيعي الى السلام معها! وما يهمنا هنا، في مناقشة الادعاءات الاسرائيلية، التأكيد على أن الخطاب الاسرائيلي لا يتوخّى من وراء هذه المقولات المفبركة الحض على الديمقراطية في البلدان العربية حرصا على مصالح شعوبها أو حرصا على التطور السياسي والاجتماعي في هذه البلدان، وانما هو يستهدف من وراء ذلك تحقيق عدة أغراض من أهمها: «1» التورية على الأسباب الحقيقية للصراع العربي ـ الاسرائيلي والايحاء بأن أسباب الصراع في المنطقة لا تدور حول الأراضي العربية المحتلة، أو حول الحقوق المسلوبة من الشعب الفلسطيني، وانما حول طبيعة الأنظمة وعلاقتها بشعوبها «2» التنصل من مسئولية عرقلة عملية التسوية بتحميل الأنظمة العربية تلك المسئولية، «3» نيل تعاطف الرأي العام العالمي وبالأخص الرأي العام في الدول الغربية، حيث تحاول اسرائيل، بذلك، تصوير نفسها باعتبارها «واحة» للديمقراطية في المنطقة، وأنها من أجل ذلك عرضة للخطر من قبل الأنظمة ذات الطبيعة الديكتاتورية «4» وأخيرا تحاول اسرائيل من كل ذلك، أيضا، مداعبة الأوهام لدى بعض القطاعات في الساحة العربية التي تعارض الأنظمة السائدة، من خلال الترويج الى أن السلام مع اسرائيل سيقود حتما الى حلول عهد من الديمقراطية والاستقرار والازدهار في المنطقة، على ما ادعى ذلك شمعون بيريز في كتابه المعروف «الشرق الأوسط الجديد». وفي الواقع فان هذه المقولات الاسرائيلية لا تستطيع الصمود عند أقل تفحص لها في ميدان الواقع للأسباب التالية: «أولا» ان التسوية التي يجري فرضها في المنطقة بشروط مجحفة وغير متكافئة، هي أصلا عملية تتم بين اسرائيل من جهة والأنظمة السائدة من الجهة الأخرى، فهذه الأنظمة هي فقط التي تستطيع تمرير مثل هذه التسوية، وهذا يؤكد أن الحديث الاسرائيلي عن الديمقراطية انما هو من باب الاستهلاك الخارجي وأنه يستهدف غايات أخرى. واللافت أن التسوية لا تحظى من الناحية الشعبية بالشرعية اللازمة بسبب طبيعة النظام السياسي العربي وطريقة صنع القرار فيه. «ثانيا» اذا سايرنا المنطق الاسرائيلي، فاننا سنجد بأن البلدان العربية التي تحظى بحياة ديمقراطية، بمعناها النسبي، هي البلدان التي تبدو فيها المعارضة الشعبية للتسوية على أشدها. فمثلا أتاحت الأوضاع الديمقراطية في لبنان المجال لانطلاق مقاومة شعبية توجت بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة وبانسحاب اسرائيل منها. وورغم مرور أكثر من عقدين على توقيع معاهدة كامب ديفيد فان اسرائيل مازالت تشكو أنها لم تستطع أن تقيم سوى سلام باردا مع مصر بسبب مقاطعة الشعب المصري لها ورفض تطبيع العلاقات معها. وفي الأردن ثمة علاقة أكثر دفئا مع الحكومة في مقابل المقاومة الشعبية لعملية التطبيع. «ثالثا» لا بد من الاشارة هنا بأن اسرائيل احتجت مرارا وتكرارا لدى الحكومتين المصرية والأردنية على التوجهات السياسية لأجهزة الاعلام في مصر والأردن كما احتجت على تحركات القوى السياسية والمنظمات الشعبية والنقابية والمهنية التي اعتبرتها تحرض ضدها، لمجرد تمسك هذه وتلك بالحقوق العربية وادانتها للممارسات وللمواقف الاسرائيلية، بهذا الشأن، وطالبت الحكومات بتقييد حرية الاعلام والأحزاب والمنظمات، في هذا المجال، وهو ما يفضح زيف الادعاءات الاسرائيلية ويبين المعايير المزدوجة التي تستخدمها بحسب مصالحها؛ فضلا عن أن هذه الاحتجاجات هي تدخل في الشئون السيادية الداخلية للدول العربية، في حين أنها هي لا تخلو من دعوات التحريض العنصرية على العرب والتي تأتي ليس فقط من خلال مواقف بعض الاعلاميين أو الاسرائيليين العاديين وانما من خلال المسئولين وقادة الأحزاب القومية والدينية المتطرفة وفي مبنى الكنيست ذاته وفي المواعظ الدينية، من دون أن يولي المسئولين فيها أية أهمية لذلك. «رابعا» ان اسرائيل نفسها تعمل على عزل الرئيس عرفات وتغييره أو اضعافه، بالتعاون مع الادارة الأميركية، لصالح فرض قيادة بديلة أكثر ملاءمة للمصالح الاسرائيلية والأميركية، برغم من أنه رئيس منتخب فضلا عن الشعبية التي يحظى بها في المجتمع الفلسطيني. تحدي الديمقراطية وبكلمة موجزة فان الدولة العبرية، التي توظف شعبها لاضطهاد شعب آخر واقتلاعه من وطنه والتي تحتل أراضي الآخرين والتي تميز بين مواطنيها، تبدو مكشوفة في ادعاءاتها الديمقراطية، فامتحان الديمقراطية الحقيقي بالنسبة لها يكمن في حزمها لأمرها في تقديم الاستحقاقات المطلوبة منها من أجل تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة على أساس من العدالة والتكافؤ بالانسحاب من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على الأقل كما أقر له بها المجتمع الدولي، الى جانب تحولها الى دولة عادية لمواطنيها. أخيرا لا بد من القول هنا بأن المجتمعات العربية هي بحاجة ماسة للديمقراطية باعتبارها نتيجة وضرورة لتطور النظام السياسي العربي وبالتالي تطور علاقاته المؤسساتية والمجتمعية. فالمجتمعات الديمقراطية هي التي تبدو أكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، في مختلف المجالات، وهذا ما تؤكده استحقاقات مواجهة اسرائيل ومواجهة تداعيات الحرب الأميركية ضد العراق. وما من شك في أن غياب أو ضعف مستوى الديمقراطية في البلدان العربية ساهم في اضعاف مقاومة المجتمعات العربية للتحدي الاسرائيلي بمختلف أشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية، وهو ما أدى الى تحييد دور هذه المجتمعات في عملية الصراع مع اسرائيل بحصره على مستوى الدول وفي ظل ادارتها، وبوسائلها. واذا ذهبنا بعيدا فان الأنظمة ساهمت، على الأغلب، في تعويم هذا الصراع وخلقت واقعا من اللاحرب واللاسلم، استمدت منه، ومن اعادة انتاجه، شرعيتها وسلطتها طوال المرحلة التاريخية الماضية، ما زاد كلفة هذا الصراع من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويبدو أن المجتمعات العربية التي دفعت، في المرحلة الماضية، ثمنا باهظا من النواحي السياسية والاقتصادية لتداعيات الصراع الذي خاضته دولها، ستدفع مجددا ذات الثمن للتسوية المجحفة مع الدولة العبرية، كتحصيل حاصل لتغييب الديمقراطية، كما أنها ستدفع ثمنا باهظا لتداعيات الحرب المزمع شنها ضد العراق. وعليه فان قضية الديمقراطية هي قضية المجتمعات العربية وهي قضية تخص تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، أولا وأخيرا، وهي، بمعنى ما أيضا، جزء من عملية الاستجابة للتحدي الذي تمثله اسرائيل في المنطقة على مختلف المستويات، سواء في حال الصراع أو في حال التسوية معها. ـ كاتب فلسطيني