السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 لولا التخاذل العربي لفكر جورج بوش ألف مرة قبل ان تواتيه جرأة لشن حرب على دولة عربية مفتاحية. التقاعس العربي هو كعب أخيل المعارضة العالمية العارمة ضد الحرب الاميركية على العراق في حين ان من المفروض ان تكون الأمة العربية قاطرة هذه المعارضة. وعندما ينظر المرء في خريطة الامتداد الجغرافي لحركة المعارضة العالمية للحرب فإنه لن يملك الا ان يندهش كيف تهب رياح التذمر العالمي من الغرب الى الشرق دون ان تمر على الاقليم العربي في الوسط. وبينما لا تزال زعامات عربية تلقي بعبء المسئولية على العراق وكأنه هو الذي اشعل شرارة الحرب لكي تتفادى انتقاد الولايات المتحدة فإن رجال بوش لا يزالون حائرين ازاء موقف بعض من جيرانهم المباشرين ـ كندا في الشمال والمكسيك والارجنتين وفنزويلا وشيلي في الجنوب ـ وهي جيرة ليست فقط بحكم الملاصقة الجغرافية فقط وانما ايضاً بحكم الثقافة المسيحية المشتركة والتاريخ المشترك والاصول العرقية. هذه الدول لم ترفض فقط المشاركة في الحرب.. بل اعلنت ايضاً انها لا تؤيدها باعتبار انها حرب غير شرعية بأي معيار من معايير القانون الدولي او ميثاق الامم المتحدة. لقد قال نائب الرئيس الفنزويلي ان هذه الحرب «تشكل ضربة للأمم المتحدة والسلام»، وقال ايضاً انها حرب «تسيء الى مستقبل العالم» وقال وزير الخارجية الارجنتيني «إن معظم الشعوب والدول لا تريد هذه الحرب.. ونحن كذلك». وفي بريطانيا التي تسبح حكومتها عكس التيار الشعبي الرافض للحرب احتكم ثلاثة وزراء إلى ضمائرهم فاستقالوا من مناصبهم.. ومن بينهم روبن كوك القيادي المخضرم في حزب العمال الحاكم ووزير الشئون البرلمانية ووزير الخارجية سابقاً. وقال أحدهم وهو اللورد فيليب هنت: «لا أساند الاجراءات التي يتخذها بلير.. ومن النفاق ان أبقى في الحكومة». وفي الشرق ظل التنديد بالحرب يتجدد يومياً قبل اندلاعها وبعده في الصين وأندونيسيا وماليزيا. وعلى صعيد عالمي برزت صورة بابا الفاتيكان كمعارض باسم الضمير المسيحي.. بلغة بالغة القوة فقد قال على لسان الناطق الرسمي باسمه في بيان مكتوب تلي على الصحفيين ان الولايات المتحدة «تتحمل مسئولية خطيرة أمام الله وأمام التاريخ»، وفي حديث آخر نعت البابا الحرب الأميركية بأنها «جريمة» تنطوي على طابع ظالم ولا أخلاقي. واستخدم احد سفراء الفاتيكان لغة أقوى ضد هذه الحرب مذكراً بحال الشعب العراقي والبؤس العام الذي تسببت فيه العقوبات الدولية، فقال: «لا تجيبوا على الابن الذي يطلب خبزاً بحجر.. وعلى الشعب الذي يطلب خبزاً منذ 12 عاماً بالاستعداد لالقاء آلاف القنابل عليه». لماذا لا نسمع مثل هذه اللغة على المستويات الرسمية العربية؟ إن هذا التساؤل لا يطرح هنا انطلاقاً من شعارات التضامن العاطفية النابعة من وشائج القومية العربية وان كانت عاطفة التضامن القومي تنبعث من اعتبارات نبيلة، اننا ببساطة نتساءل لماذا لا تحدد الدول العربية مواقفها تجاه المسألة العراقية على أساس اعتبارات المصالح الوطنية العليا عوضا عن اعتبارات مساندة الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة. كان يكفي ان تدرك الدول العربية انها ينبغي ان تكون في خندق واحد مع العراق لو أنها تبنت لنفسها خطا سياسيا يقوم على ضرورات المصلحة الوطنية والاقليمية لأن الولايات المتحدة لها بكل بساطة اجندة استراتيجية محددة تتناقض مع كل طموح عربي سواء على مستوى الشعوب او مستوى الدول. من ناحية تهدف الولايات المتحدة من وراء الحرب على العراق واحتلاله الى التحكم في صناعة النفط العربية عن طريق التحكم في صناعة النفط العراقية فتعمد الى فرض سيطرة على معادلة العرض والطلب العالمية بخفض معدل الانتاج النفطي العراقي او رفعه. وبذلك ستكون اقتصادات الدول النفطية العربية من المحيط الى الخليج تحت رحمة الادارة الاحتلالية الاميركية في العراق. ومن ناحية اخرى تهدف واشنطن عن طريق الحرب والحاق هزيمة ماحقة بالعراق الى خلق مناخ انكساري عام في الوطن العربي يكون مواتيا لتقرير مصير فلسطين النهائي على أساس الشروط الاسرائيلية. وليس من المعقول الا نفترض ان الحكومات العربية لا تدرك طبيعة الاهداف الاستراتيجية الاميركية من وراء اشعال الحرب على دولة عربية كبيرة. رغم ذلك يبقى سؤال بلا اجابة: لماذا يتصرف النظام الرسمي العربي على نحو يتناقض مع كل ثوابته المصلحية سواء على الصعيد الانفرادي او الصعيد الجماعي؟ ويتخذ السؤال طابع اثارة عندما يطرح على خلفية معارضة متعاظمة تنتظم العالم، حكومات وشعوبا، من اجل مصير شعب عربي.