السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 الضمير العالمي لم يمت لكن الذي مات هو فاعلية هذا الضمير وجدواه وقدرته على العمل والتأثير. والمظاهرات ، التي مازالت تشتعل في العالم من المشرق الى المغرب تؤكد ان انسان هذا الزمن المر مازال يحمل بقايا احساس بالتعاطف مع الآخرين، ومازال يرفض ان تسوى الخلافات عن طريق التصفية الجسدية التي يراها وصمة عار في جبين منفذيها. لكن هذا الاحساس الفطري بالتعاطف مع الانسان بغض النظر عن جنسه وانتمائه القومي والديني لا يرقى ـ مع الأسف الشديد ـ الى ان يكون قوة فاعلة توقف الظالم عند حده، وتجبره على احترام الحقوق وعدم المساس بها، ما يعني ان عاطفة المتحركين هنا وهناك ضد العدوان على العراق ليست سوى فقاعة كبيرة ما ان تطفو على السطح حتى تتبدد وتختفي دون ان تترك خلفها اي اثر يمكن التعويل عليه. والبارحة نعت هيئة الأمم المتحدة نفسها، واعلنت هزيمتها النكراء امام ارادة الولايات المتحدة وأقام كبارها قبل الصغار ـ ما عدا اميركا وبريطانيا واسبانيا ومن سار في فلك الولايات المتحدة ـ مأتماً ندبوا فيه هيئة الأمم، واعلنوا ـ بأساليب مختلفة ـ انها اصبحت عبئا على مؤسسيها بدلاً من ان تستلم القيادة وتعيد الحقوق الى اصحابها حسب الاهداف المدونة في وثيقة اعلان قيامها في مدينة سان فرانسيسكو في 26/6/1945. وفي حال موت هذه الهيئة الدولية واعلان الحداد عليها الذي جاء متأخراً جداً عن وقته الطبيعي، أو دخولها الى غرفة العناية الفائقة فإن على العرب ان يبحثوا عن جهة اخرى يحملون لها المراثي وأشعار الشكوى والنحيب ليعلنوا امامها ـ كعادتهم ـ فشلهم الذريع في علاج ازماتهم الكبرى في العراق وفلسطين، خاصة وان وسائل انعاش هذه الهيئة المشرفة على النهاية المحتومة شبه معدومة لانه ما من احد حزين أو متعاطف مع النهاية الدرامية لهيئة قيل زورا انها ما انشئت إلا من اجل الانسان!! ورغم ان هيئة الامم المتحدة لم تكن تفعل فيما مضى اكثر من اصدار قرارات على الورق تطالب فيها اسرائيل باحترام المعاهدات الدولية، إلا انه لم يحدث قط ان اعلنت هذه الهيئة فشلها الذريع في القيام بأضعف الايمان في مواجهة الاعتداء على سيادة الدول واختراق اجوائها عبر اصدار قرار شكلي يدين اللجوء الى الخيار العسكري لتصفية الخلافات! والسبب ان المعتدي هو الولايات المتحدة نفسها مما عقد لسان هذه الهيئة وألحق بها وصمة عار جديدة تضاف الى امثالها في سجلها الحافل بالتجاهل وقلة الاكتراث بمصائر الشعوب والأمم. ان هذه المعطيات التي تفضح سلبية هذه الهيئة بل وانحيازها الصارخ للظالم على حساب المظلوم تجرد هذه الهيئة من أي وزن وقيمة وتكشفها أمام العالم بعد ان سقطت عنها ورقة التوت والتي لم تكن سوى قرارات مفرغة من أي قوة عملية تبعث فيها الحياة، وتكسبها بعض المصداقية المنتفية عنها منذ اكثر من خمسة عقود مما يرشحها اكثر من أي وقت مضى لأن يعمل لها تمثال ويوضع في احد المتاحف التاريخية الشهيرة كشاهد اثبات على هزيمة الضمير امام النزعة المادية، وعلى انحسار الاخلاق عن الدول الكبرى!! كما ان اعلان حقوق الانسان الذي صدر عام 1948 ليس إلا احدى التجارب الفاشلة التي صنعها الكبار انفسهم كقناع آخر يخفي نواياهم السوداء، ويبعد عنهم تهم التحيز لمصالحهم على حساب مصالح الشعوب الضعيفة!! واليوم تشهد الانسانية احتضار الضمير لدى الرأسمالية الجديدة مما يفتح المجال للتوقعات السوداء لتخيم على القلوب والمشاعر، وينذر بليل طويل اذا ما ظل المظلومون قابضين على سلاح الدموع والنحيب كسلاح بائس يقاومون به الدبابة والصاروخ والقذيفة. فهل بعد هذا الحمق سذاجة وخنوع؟!!