السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 تطلع ضابط الجوازات في مطار القاهرة الى وجه السائح الأوروبي الأشقر الواقف أمامه هو وزوجته في هدوء وثقة، لكن أكثر من شئ أثار الشك والريبة في نفس الضابط. ان السائح يحمل اسما مصريا هو «حسن كامل» وفي الوقت نفسه لا يعرف كلمة عربية واحدة. كما أنه ألماني ولكنه يحمل الجنسية السويسرية. كذلك فان فترة بقائه في مصر تمتد شهورا طويلة، لكن قبل أن يفصح الضابط عما جال في خاطره فوجئ برئيسه في الوردية يشير اليه بوضع ختم الخروج على جواز سفر السائح وتركه يمر، فنفذ الأمر بسرعة وان لم يبعد نظره عن الرجل وزوجته حتى اختفيا بعيدا في صالة السفر. سافر «حسن كامل» هو وزوجته الى جزيرة «سيلت» القريبة من الحدود الدنماركية الألمانية وهناك قضيا عدة أيام للاستجمام قررا بعدها السفر الى مسقط رأسه «دسلدورف» على متن طائرة خاصة أستأجراها. لكن قبل الاقلاع بساعة حدث شئ ما جعله يلغي رحلته. وترك زوجته تسافر بمفردها، وبعد أن أقلعت طائرتها بدقائق انفجرت في الجو. كان ذلك في صيف عام 1962. بعد أيام معدودة من تجربة اطلاق الصاروخين: «القاهر» و«الظافر» التى شهدها جمال عبد الناصر في قاعدة غرب القاهرة الصحراء الجوية أمام عدد هائل من مراسلي الصحافة العالمية. وكان «حسن كامل» أو الدكتور «بول جيركه» قد شارك في صناعتهما. ثم غادر القاهرة. وكان ما كان. فقد زوجته في انفجار مدبر كان متوقعا أن يذهب هو أيضا ضحيته. ولم يكن من الصعب اتهام المخابرات الاسرائيلية بارتكاب الحادث، فقد صاحبه حملة دعائية صهيونية ضد مصر التي «تستخدم علماء نازيين» في تطوير أسلحتها غير التقليدية. كما أن تجربة اطلاق صاروخين مصريين بنجاح ما كانت تمر دون اسالة دماء كثيرة. فاسرائيل منذ زمن بعيد تصر على أن تتربع هي وحدها على عرش الأسلحة غير التقليدية في المنطقة بأسرها، تقتل في سبيل الحصول عليها، وتقتل حتى تمنع العرب وعلى رأسهم مصر من الحصول عليها. كان العلماء الألمان قد تشردوا في الأرض بعد هزيمة بلادهم في الحرب العالمية الثانية وعملوا في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا وكندا ليقدموا خبرتهم مقابل اقامة وحماية وجواز سفر. وكانت مصر من الدول التي فتحت أبوابها لهم قبل ثورة يوليو أيام الملك فاروق. وكان من بينهم الدكتور «ويلهلم فوس» خبير الذخائر الحربية. والدكتور «بول جيركه» المتخصص في الالكترونيات وصناعة الصواريخ. والدكتور «جوهانيس فون ليرز» مساعد الدكتور «جوزيف جوبلز» وزير الدعاية النازية الشهير. وحسب المصادر الاسرائيلية كان في مصر نحو 500 عالم ألماني على مستوى عال من الخبرة والكفاءة. وقد فضل بعضهم الامتزاج التام بالمجتمع وغيروا أسماءهم الى أسماء عربية. مثل «جورجن كنيتش» ضابط الثقافة النازية السابق في يوغسلافيا الذي عرف باسم محمد حسين. ومثل ضابط الصاعقة «أورلنج كرواس» الذي عرف باسم محمد أكبر ومثل ضابط المخابرات النازية البروفيسور «ويلهلم فاهر مباخر» الذي عرف باسم الدكتور عمر أمين. ولم يجد جمال عبد الناصر أفضل منهم في تأسيس جهاز مخابراته والعمل كخبراء تسليح. وشجع ذلك غيرهم الى اللجوء الى مصر فكان أن وصل الى القاهرة سرا البروفيسور «فولفجانج بيلز» الرجل الثاني في صناعة الصواريخ الألمانية. يقول ريتشارد ديكون مؤلف كتاب «المخابرات الاسرائيلية في لندن عام 1979 عن دار شبربوكس: انه في نوفمبر 1959 وقع مدير مخابرات الطيران محمد محمود خليل عقدا باسم الحكومة المصرية مع مصانع ويلي شميث للاستفادة بخبرتها في صناعة الطائرات التي تبيعها الى حلف الأطلسي. وبعد توقيع العقد انضم الى العلماء الألمان في مصر البروفيسور «يوجين سانجر» مدير معهد دراسات الدفع النفاث في شتوتجارت المتخصص في أبحاث الصواريخ. وقد جاء ومعه 12 مهندسا وعالما من ألمع تلاميذه. وطبقا للعقد بين مصر ومؤسسة ويلي شميث أنشئ مصنع 36 حربي لتصنيع أجزاء الطائرات الأسرع من الصوت. لكن. سرعان ما تعرضت هذه المؤسسة الى ضغوط هائلة من المخابرات الأميركية والإسرائيلية جعلتها تفسخ العقد وتسحب خبراتها وراح المصريون يبحثون عن مواهب بديلة مشابهة. وحسب معلومات ريتشارد ديكون «وهو ضابط سابق في المخابرات البريطانية وثيق الصلة بالموساد» فان المصريين بمساعدة العلماء الألمان قطعوا شوطا كبيرا في مجالات تصنيع الأسلحة المتطورة. فقد اقتربوا من صناعة الطائرة النفاثة بمساعدة البروفيسور«فرديناند براندنر». وابتكروا طريقة لحقن الصواريخ بالفضلات النووية ـ كوبالت 60 وسترونيتوم 90 من خلال مشروع سمى «أبيس». وأعدوا كل ما يلزم لانتاج سلاح ذري بسيط أطلقوا عليه عملية مشروع «كليوباترا». وأجروا عدة تجارب على القنابل الجرثومية بمساعدة كيميائية شابة عاشت في القاهرة وعملت مع خبير في هذا المجال هو الدكتور «هانز أيسليه». وفكروا في انتاج عينات من غاز الاعصاب الذي يعرف باسم «تابون» وفي خريف عام 1960 بدأوا تجارب اطلاق الصواريخ في الصحراء الغربية واستمرت هذه التجارب عامين. وعندما نجحت تجربة اطلاق الصاروخ «القاهر» والصاروخ «الظافر» في الساعة التاسعة والدقيقة السابعة والاربعين من صباح يوم 23 يوليو عام 1962 كان مدى «القاهر» 356 ميلا وكان مدى «الظافر165» ميلا. وفي كتابه «جاسوس في القاهرة» يكشف محمود مراد أن الاسم السري للصاروخ المصري هو «الأستاذ» وأن عدد الصواريخ التي أطلقت في ذلك اليوم أربعة، اثنان من كل طراز، وانهال الصحفيون الأجانب على جمال عبد الناصر بالاسئلة. «س» ما هو الغرض من صنع الصواريخ؟. «ج»: الغرض من صنع الصواريخ هو صنع الصواريخ. «س»: الى أي مدى يستطيع أن يصل الصاروخ؟. «ج»: القاهر يمكن أن يصل الى جنوب لبنان. «س»: هل يصل الصاروخ الى إسرائيل؟. «هنا قال جمال عبدالناصر بطريقته الساخرة»: كل صاروخ وأنتم طيبين». في تلك اللحظة كانت اسرائيل في حالة هستيرية. وصرخ «موشى ديان» الجنرال المعجزة للعسكرية الاسرائيلية: «ان المصريين سيقتلوننا عن بعد»، «سيقضون علينا دون أن يتركوا مدنهم»، وعلى الفور وضعت خطة لتدمير قاعدة الصواريخ المصرية بضربها بالطائرات الاسرائيلية التي ستخترق المجال الجوي للقاهرة. لكن بعد أسابيع من التدريب على الخطة تراجعت القوات الجوية الاسرائيلية عن تنفيذها. وتركت الفرصة للموساد كي يتصرف بطريقته الخاصة، تصفية كل العلماء الأجانب الذين يعملون في برامج تطوير الأسلحة غير التقليدية في مصر. فكانت البداية تفجير الطائرة الخاصة التي كانت عليها زوجة بول جيركه. ثم راحت التفجيرات تتوالى. في 10 سبتمبر من ذلك العام تقدمت زوجة هانز كروج ببلاغ الى شرطة ميونيخ باختفاء زوجها مدير مكتب شركة انترا بشارع شيلر وهي شركة تجارية تبيع محركات الصواريخ وأجهزة التحكم الالكترونية فيها. ويقول ريتشارد ديكون: ان هانز كروج باع هذه البضاعة للمصريين بوفره. وثبت من تحريات الشرطة أنه شوهد في يوم اختفائه يغادر مكتبه بصحبة رجل آخر اتضح فيما بعد أنه اسرائيلي. وبعد يومين وجدت سيارته مهجورة في مكان ناء خارج المدينة وسرت شائعة أنه قتل. وهكذا واصل الاسرائيليون الارهاب. وفي 27 نوفمبر من تلك السنة وقع الحادث الثالث. كان الهدف هذه المرة البروفيسور فولفجانج بيلز. أحد العلماء الألمان في مصر. وكان قد حل محل البروفيسور يوجين سانجر. في ذلك اليوم فتحت سكرتيرته الحسناء هانيلور ويندى طردا باسمه مرسلا من محام في هامبورج. فاذا بالطرد ينفجر في وجهها. فشوهه وشوه رقبتها وصدرها ويديها. وفي اليوم التالي وصل طرد آخر عبارة عن صندوق من رقائق الخشب جاء من شتوتجارت جوا مرسل من مكتبه هناك وفيه أربعة كتالوجات. وما كاد يفتح بواسطة لجنة خاصة من رقابة البريد حتى انفجر في أعضائها. فمات خمسة منهم وجرح وأصيب تسعة غيرهم. وبعد أيام وصل طرد ملغوم ثالث من هامبورج مرسل الى الدكتور بول جيركه في القاهرة كان يحوي عدة كتب لكن خبراء المفرقعات أبطلوا مفعوله ونجا الرجل للمرة الثانية من الموت على يد الموساد. كان الهدف من وراء هذه الرسائل التي تحمل الموت في أحشائها هو افزاع العلماء الألمان لإجبارهم على ترك مصر وعدم استكمال تلك البرامج الطموحة لتطوير الأسلحة غير التقليدية لكن السلطات المصرية لم تشر الى تلك الحوادث طيلة خمسة أشهر. وكانت الاشارة فيما بعد عابرة في حديث صحفي أدلى به جمال عبدالناصر لجريدة غير مصرية. لكن. المؤكد - كما يصف ريتشارد ديكون: ان المخابرات المصرية راحت تتحرى الأمر في مصر وألمانيا. وتوصلت الى أن أفرادا من أسر هؤلاء العلماء تلقوا تهديدات تليفونية - لم يعلن أصحابها عن أنفسهم - بالموت اذا ما استمر ذووهم في مصر يساندون برامجها النووية والصاروخية. وسرعان ما أصبح التهديد فعلا. في فبراير التالي، فبراير 1963 غادر خبير تركيب الصواريخ الدكتور هانز كلاينفاختر القاهرة في زيارة قصيرة الى ألمانيا. «حيث كان لا يزال يحتفظ بمعمل أبحاثه في مدينة لوراخ القريبة من الحدود السويسرية». وذات يوم هناك. وبينما كان يقود سيارته في زقاق ضيق على مقربة من بيته انحرفت فجأة وعن عمد سيارة أمامه وأرغمته على التوقف. «كان في السيارة ثلاثة أشخاص. نزل واحد منهم وتقدم اليه بعد أن اطمأن أن الزقاق خال من البشر. ومن جانبه لم يشعر الدكتور هانز كلاينفاختر بالارتياح لمنظره». فقد بدا أن شيئا فيه. «أما الاثنان الآخران فقد بقيا في السيارة» لا يتكلمان. «سأله الرجل»: هل تعرف أين يقيم الدكتور شتكر؟ «كان السؤال بريئا لكن الغرض لم يكن كذلك، كان الغرض دفعه الى التفكير بعيدا. ولم تمر سوى ثوان حتى أخرج الرجل مسدسا بكاتم صوت وضغط على الزناد. كان العالم الألماني الشهير محظوظا، اذ حطمت الرصاصة زجاج السيارة الأمامي. غير أنها لم تصبه بأذى فقد دفنت في «تلفيحة» شتوية سميكة كان يلف بها رقبته. وحسب ما أضافه ريتشارد ديكون: فان الجاني أسرع الى سيارته التي انطلقت على الفور. وقد وجدتها الشرطة فيما بعد مهملة في مكان مهجور بالقرب من مكان الحادث. وأغلب الظن أن الرجال الثلاثة انطلقوا في سيارة أخرى عبرت بهم الحدود السويسرية. وكان الشيء الوحيد الذي خلفوه وراءهم في السيارة الأولى جوازاً مصرياً مزوراً باسم سمير علي. قيل انه ضابط طيار. وقيل انه ضابط مخابرات. وكان الهدف القاء ظلال الشك على المصريين. أو كان الهدف ترك رسالة الى المصريين. «نحن وراء علمائكم في كل مكان». وحسب ما نشره محمود مراد فان الدكتور هانز كلاينفاختر تسلم في اليوم التالي للحادث رسالة فتحها بسرعة فوجد فيها ورقة صغيرة بها عبارة واحدة باللغة الفرنسية ترجمتها الحرفية: «ان كل من يأكل لحم اليهود جزاؤه الموت». وبعد أيام تلقى رسالة أكثر وضوحا. انه من الصعب الوقوف ضدنا. انك اذا كنت قد أفلت من الموت فلابد انك ستموت. انك الآن تنتظر مصيرك. اننا من القوة بحيث لا يصعب علينا أي هدف. «وبالرغم من ذلك عاد الرجل الى عمله في القاهرة». في مارس عام 1963 تلقت هايدي ابنة العالم بول جيركه مكالمة تليفونية في بيت عائلتها في مدينة فرايبورج حيث تعيش مع جدتها وشقيقتها رينيه. كانت المكالمة من عالم نمساوي اسمه أوتو فرانك جو جوليك كان يعمل مع والدها في القاهرة ثم ترك العمل بحجة الخوف على حياته، لكنه في الحقيقة كان قد اقتنع بأن يكون عميلا للاسرائيليين. قال جوليك: «هايدي ان حياتكم في خطر اذا لم يمتنع والدك من تصنيع الأسلحة للمصريين». ثم طلب منها أن تلقاه في فندق «دراي كوينجين» أو الملوك الثلاثة في مدينة بال السويسرية. واعتقدت الشرطة التي كانت ترقب ما يجري أن ثمة تهديداً وراء هذا اللقاء. وطلبت الشرطة الألمانية من سلطات مدينة بال مراقبة وتسجيل اللقاء. وفي الموعد المحدد جاءت هايدي وشقيقتها رينيه وبعد دقائق انضم اليهما جوجوليك وكان معه اسرائيلي اسمه يوسف بن جال. ومن جديد كرر جو جوليك تهديده طالبا من هايدي التأثير على أبيها حتى يعود. وأضاف بن جال: «بل عليك أن تسافري اليه وتعودي وهو معك». ونهضت هايدي منفعله. وغادر الرجلان الفندق. ويكمل ريتشارد ديكون روايته قائلا: ان الرجلين استقلا القطار الى زيورخ وهناك تناولا الطعام في مكان قريب من البحيرة، ثم عاد جوليك الى محطة القطار وهناك قبض عليه. بينما اتجه بن جال الى القنصلية الاسرائيلية ولكن قبل أن يدخلها اعتقل. وبعد أسبوعين اتهما جنائيا بأنهما «عميلان لدولة أجنبية قاما بتهديد الآنسة هايدي جيركه». لكن الأهم أن ما جرى تسبب في استقالة رئيس الموساد في ذلك الوقت ايسر هرئيل بعد أن توترت العلاقات بين ألمانيا وسويسرا واسرائيل. ونشاط الموساد المشبوه هناك. لقد كون الموساد جمعية سرية اسمها الحركي «جيدون» هي المسئولة عن الطرود الملغومة المرسلة الى مصر. ولم ينف ايسر هرئيل ذلك. ولم يتبرأ من عملائه الذين وصل بهم الأمر الى الفضيحة والمحاكمة لكن في الوقت نفسه استثمرت اسرائيل ما جرى في دعاية مبالغ فيها ضدها وصفته بأسلحة الدمار المصرية التي يصنعها جمال عبد الناصر بمعاونة العلماء الألمان الذين وصفتهم بالهتلرية. وقال دفاع جو جوليك وبن جال: ان المصريين اشتروا من ألمانيا خامات وأجهزة تكفي لتصنيع 900 صاروخ سينتجونها في مصنع 333 الحربي وزعم جو جوليك: انه ترك عمله في مصر حينما شعر أن النية تتجه الى ابادة اليهود ويتعرف ريتشارد ديكون بأن ضغوطا ما مورست على سويسرا جعلتها تخفف الحكم على المتهمين فلم يزد على السجن شهرين. وهي مدة أقل من التي قضياها على ذمة القضية. ورغم أن ديفيد بن جوريون اعترف في مذكراته «اسرائيل تاريخ شخصي» ان ما قيل عن تصنيع مصر لأسلحة الدمار هو أمر مبالغ فيه الا أن ذلك لم يمنعه من أن يفعل المستحيل للقضاء على كل هذه المحاولات في مهدها. ان ما فعلته اسرائيل مع مصر في الستينيات هو نفسه ما تفعله الولايات المتحدة لصالح اسرائيل الآن، القانون واحد، والأسلوب واحد، وما أشبه الليلة بالبارحة. ـ كاتب مصري