السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 في الحروب تتقابل الخنادق التي تصبح اوطانا للجنود الساكنين المستترين بها وكأنها ارحام امهاتهم.. تصبح تلك الحفر العميقة واكياس الخيش الممتلئة بالرمل والحصى الحياة كلها.. متر في مترين كل العالم.. لكن تبقى الفروق كبيرة بين الخنادق المتقابلة.. فالذي حفر خندقه في تراب وطنه يشتم رائحة ترابه ويشتهي الموت فيه، اما الذي حفر خندقا في تراب لا يعرف ملامحه، غريبا عليه تقتله الغربة قبل الرصاصة. فرق كبير ان تدافع عن وطن رضعت اثداءه كلها وبين ان تغزو مكانا يلعنك فيه ترابه وهواؤه، اشجاره وحجارته، سماؤه وماؤه وجهاته. فرق كبير حينما تصوب بندقيتك على من غزاك، تحملك اجنحة الموت للذود عن شرفك وعرضك وكرامتك وعزتك وشموخك وبين ان تصوب بندقيتك غازيا جئت من بعيد تحمل اوامر من دفعك دفعا. بين الخنادق المتقابلة مسافات تشي بفضائح القتل، انت تقتل او تقتل لانك تدافع وانت تقتل او تقاتل لانك تهجم لمتراس الخراب.. وبين الخنادق تختبر كل اصناف الفضائل، وبين الخنادق تكشف الحقيقة عن نفسها واضحة. في كل الحروب تتقابل الخنادق التي يقطنها المقاتلون المصدرون اصلا للموت، يموت في الخندق المقابل جندي وهو يصرخ باسم وطنه في وجه الموت، ويموت في الخندق الاخر جندي وهو يصرخ: لماذا نفعل هذا في وجه الموت. وفي كل الحروب يعود من الخنادق جنود احياء ليرووا عنها كل تلك الاحاديث، ويلوم بعضهم بعضا ويسب ويلعن بعضهم بعضا. فرق كبير ان تحفر الخندق هنا او ان تحفره هناك في البعيد الذي لا يعرفك، فرق بين ان تكون معتديا تحمل في يديك بندقية الخطيئة، وبين ان تكون مدافعا جعلت من صدرك التراب والريح والهواء. تفرق الحروب وتفرق المسافات بين الخنادق بين هذا وذاك حتى وان جر النصر اذياله الى جانب المعتدي، فان الحقيقة وحدها التي تفرق بين ساكني الخنادق، ووحدها تفرز الخنادق التي صادقت وصدقت اهلها وساكنيها. الموت في خندق حفر في الوطن غير الموت في خندق لا تعرفه ولا يعرفك. halyan@albayan.co.ae