السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 كثيرون يعتقدون ان الحرب الاميركية على العراق بدأت فجر الخميس الماضي بمجرد انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الاميركي دبليو بوش للرئيس العراقي صدام حسين، والتي تطالبه بالتنحي والرحيل فوراً، الا ان من يتابع تطورات الحرب القائمة يدرك انها بدأت قبل زمن طويل فقد اصبح العالم شفيفاً لدرجة مثيرة، ودخل الاعلام من حيث لا يحتسب في معطيات لعبة الحرب القاتلة بسبب التطور التكنولوجي المتسارع في مجال البث الفضائي وادخل معه الانسان العادي مشاركاً ومتفاعلاً في حرب لم يقررها او يجندها ابداً. لقد سطا الاعلام التكنولوجي بكل ما يملكه من اثارة وسحر على عقل المتلقي فجعله يلتفت يميناً فلا يجد سوى الحرب ويلتفت شمالاً فلا يرى الا سطوة الثورة الرقمية وثقافتها المبهرة، وبين هذه وتلك تصبح الدنيا مطواعة بين اصابعه يختار منها ما يشاء. قبل ثلاثة عشر عاماً وبالتحديد في حرب الخليج الثانية شهد العالم بأم عينيه ولأول مرة في تاريخ البشرية حرباً حية على الهواء، وتابعها دقيقة بدقيقة وكأنه يتابع مباراة في كرة القدم، فقد تسمّرت عيون الناس في العالم اجمع امام شاشات التلفزة لترى النقل المباشر الذي قامت به محطة خخ الاخبارية لحرب الخليج الثانية، وكانت تلك المحطة المتفردة وحيدة في ساحة النقل المباشر آنذاك، الا ان المزايا الفائقة والتسارع المحموم والتطور التكنولوجي الذي وفرته ثورة الاتصالات انتج الاف المحطات الفضائية التي نسخت تجربة خخ وتفوقت عليها احياناً. ويبدو واضحاً ان كثافة المعلومات وتسارعها نحو قضية معينة كقضية العراق وقبلها الارهاب العالمي تتداخلها الكثير من وسائل الحرب النفسية، بل وتكاد تطغى عليها، ذلك ان تدفق المعلومات يأتي متسارعاً وباتجاه واحد، فيأخذ معه ما يأخذ ويجرف بالتالي الكثير من الرسائل المتعمدة او المبثوثة بقصد في وسائل الاعلام المختلفة، ومن هنا فالحرب الاميركية بدأت منذ زمن بعيد، وليس بانتهاء المهلة المقررة سابقاً. ولعل المراقب لما يبث في وسائل الاعلام يرصد ابعاد تلك الحرب بأشكالها المختلفة وعلى جميع الاصعدة الدبلوماسية والاعلامية والتكنولوجية، ورغم ان تلك الحرب تأتي من الجهة الاقوى الا ان الجهة الاضعف تحاول بشتى الطرق والوسائل ان ترسم لنفسها صورة مختلفة بخطاب جديد وادأء سياسي مغاير عما كانت عليه عشية حرب الخليج الثانية، ولكنها رغم ذلك تفشل في كل مرة! لقد وجد الجميع انفسهم يخوضون في غمار لعبة الحرب النفسية في زمن مفتوح على مصراعيه بفضل التطور التكنولوجي المذهل الذي نعيشه اليوم، فبين الخبر والاخر والتحليل والحوار السياسي تتداخل الكثير من التقارير الامنية والسياسية المصنوعة سلفاً، والمسربة باتقان شديد لوسائل الاعلام الاميركية والعالمية، والتي تعتمد في شكلها على اللغة الاعلامية المصنوعة والمعدّة بشكل احترافي ومهني، حيث تعمل على خطين متوازيين، يتمثل الاول في مخاطبة الرأي العام الاميركي، بينما يتجه الخط الثاني الى فرض سيطرته بكل ما يملك من معلومات على الرأي العام الخارجي. وللأسف تسقط الكثير من وسائل الاعلام بجميع طيوفها واشكالها وصورها في قبضة ما يريده الاخرون، فنحن امام تلك الصور المتلاحقة، والاخبار المكررة، والتقارير المتواصلة المصنوعة بفنيات عالية نمنح اذهاننا فرصة التلقي، وبالتالي نسخ وترسيخ الرسائل الدعائية دون ان نفكر في فرضية تكذيبها او ابعادها من مكامن الوعي!! ومن يقرأ تصريحات المسئولين في الادارة الاميركية يعي جيداً لغة الحرب المفروضة منذ زمن بعيد، فقبل جلسة مجلس الامن التي كان من المقرر ان تقدم فيها الولايات المتحدة أدلتها بشأن العراق، كتب كولن باول وزير الخارجية الاميركية مقالاً في صحيفة «وول ستريت جورنال» اتهم فيه الرئيس العراقي باخفاء اسلحته في وقت تتكثف الحشود باتجاه منطقة الشرق الاوسط. وقد جاء هذا المقال في اطار الحرب النفسية التي تمارسها اميركا على العراق، ولم تكتف بذلك بل اشارت الى ان قواتها الجوية طوّرت سلاحاً سرياً يستطيع النيل من اهداف عسكرية من دون قتل احد او تقويض مبان، وان الساحة العراقية سوف تشهد استخدام هذا السلاح الجديد والذي قال عنه المحللون انه عبارة عن موجات كهرومغناطيسية هائلة تقوم بتوليد نبضات تستطيع تدمير شبكات الكترونية رقمية وشل قدرتها دون ان يوقع خسائر في الارواح. لقد ارتدت الحرب النفسية ـ تلك اللعبة القديمة ـ رداءً جديداً يسمى الشفافية والوضوح.. هذا ما يقوله الاميركيون في خطابهم الاعلامي الدعائي المتواصل، إلا ان الفعل الاميركي يختلف عن الواقع المعاش، فعندما اجتمع ممثلو ما يزيد على خمسين دولة في دار الاوبرا في سان فرانسيسكو في ابريل من العام 1945، حسب الكاتب نيكي هاغر، كان ذلك باصرار من فرانكلين روزفلت الرئيس الاميركي الذي طالب باستضافة المؤتمر الذي قامت الامم المتحدة خلاله باقرار مبدأ تساوي حقوق الشعوب الكبيرة والصغيرة. الاصرار الاميركي لم يأت من باب حسن الضيافة كما يعتقد البعض، بل جاء من باب السيطرة.. كل ما في الامر ان روزفلت اراد ان يسهّل لعملائه التجسس على المندوبين ومراقبة الرسائل التي كانوا يتبادلونها مع عواصمهم، فقد كانت برقياتهم تجمع بواسطة شركات التلغراف فتفكك وتحل رموزها على ايدي ضباط يعملون على مدار الساعة ثم تسلم الى المفاوضين الاميركيين، وقد جاءت العملية في منتهى النجاح! وهكذا هي المبادئ الاميركية.. احترام حقوق الشعوب، الكبيرة والصغيرة، واقرار قوانين ومواثيق الامم المتحدة!! فما اشبه اليوم بالبارحة!! Dhaen66@hotmail.com