السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 بدأت الحرب واعطى بوش اوامره بقصف بغداد بعد ان نفض العالم يديه من الحرب الاميركية على العراق واكتفى ممثلوا الدول الكبرى والصغرى، بالتعبير اللفظي عن رفض بلادهم لاستخدام القوة.. وبدت الولايات المتحدة بلطجي القرن الواحد والعشرين في كامل عتادتها وعدتها في مشهد يعيد الكاوبوي المولع بالقتل والدمار إلى شاكلته الاولى في الغرب الاميركي جلسة مجلس الامن الاخيرة كانت بمثابة صلاة على جثة العراق الذي تعتقد واشنطن انه يسهل المشي في جنازته كما القتلة في الافلام العربية القديمة.. اصرار العم سام على اشعال الحروب مهما كانت العواقب، يعري الدوافع ويفضح النيات فأي ديمقراطية تلك التي تأتي وسط نيران الحقد الاسود. العالم شرقه وغربه يعلم انها حرب غير عادلة.. تظاهرات الملايين في آلاف المدن لم تمنع قتلة البيت الابيض من المضي قدماً إلى بغداد الرشيد حاضرة الخلافة العباسية تحت وهم انها نزهة خلوية لراعي البقر الاميركي. بعض العرب اكتفى باعلان عدم المشاركة في حرب مجنونة والبعض الآخر فضل ابراء الذمة وراح يذكرنا بامجاده في نصح العراق طوال سنوات بعدم تحدي سادة العالم الجدد، اما الباقون فقد لاذوا بالصمت المطبق. ما اصعب الكتابة فوق رمال متحركة تنتقل بسرعة البرق من مكان إلى آخر، فاليوم غير الأمس وغداً اكثر غباراً في سماء العرب الملبدة منذ سنوات بالكوارث والمحن وكأن القدر قد اختارهم قرباناً لشعوب الارض على المذبح الاميركي الذي ركبه الصلف واعماه الغرور فعاد بجحافل المغول إلى دجلة والفرات مصمماً على دخول بغداد حتى ولو تركها صدام! الهدف المعلن البحث عن اسلحة الدمار الشامل التي قال المفتشون انها خرافة.. اما الغرض الخفي فلم يعد خافياً على احد.. فالكل يعلم الصغير قبل الكبير ان مقدرات العراق وثرواته واقتسام عوائد نفطه هي الهدف الاول لفوهات المدافع وراجمات صواريخ كروز الاميركية. ملايين العراقيين الابرياء تحت رحمة القصف الاميركي بينما البعض مشغول بتحميلهم جرماً لم يقترفوه حتى يصبحوا ميدان رماية لمحور شرير اختار جزيرة هجرها القراصنة لتعبئة الجهود الحربية بعد ان فشل في تمرير قرار لمنح الشرعية لحرية مجرمة. فشل الامم المتحدة في منع الحرب اسقط آخر اوراق التوت عن منظمة فقدت حتى دورها الشكلي بعد ان تقادمت الوظيفة التي قامت من اجلها في اعقاب الحرب العالمية الثانية. اغتالت واشنطن اي دور مستقبلي للأمم المتحدة ولم يعد امام اعضاء مجلس الامن إلا لملمة اوراقهم من اضابير منظمة دولية وضع الناس آمالاهم عليها في ترسيخ الحق واقامة العدل بين شعوب الارض. دخلت الامم المتحدة الجب الاميركي ولن تخرج منه ثانية اياً كانت نتائج الحرب على العراق.. وعلى العالم المنقسم على نفسه البحث عن بديل يمنع الكوارث القادمة.. فالاخفاق الذريع في منع حرب غير عادلة نذير شئوم ويخطيء من يظن ان الولايات المتحدة تستهدف التهام العراق وحده أو حتى اعادة ترتيب منطقة الشرق الاوسط فقط، فالجراب الاميركي مليء بالمزيد من ألعاب الحواة التي لم يكشف النقاب عنها بعد. منذ بداية الازمة الاميركية مع العراق راهن كثيرون على المساعي الدبلوماسية التي ابلت فيها فرنسا بلاءً حسناً، لكن الادلة كانت تشير إلى ان واشنطن تجاوزت كل تلك الجهود وبيتت للنيل من العراق انتقاماً لكرامة اميركية مهدرة في مانهاتن لحظة انهيار البرجين في 11 سبتمبر واختفاء الرئيس الاميركي ونائبه عن الانظار خوفاً من هول الواقعة! الأمم والشعوب كما الافراد تتحكم فيها رغبة الثأر البدائية، ولا يغريك التقدم التكنولوجي وارتياد الفضاء، اذ تظل النفس البشرية في توحشها المكبوت تنتظر لحظة التنفيس عن المكامن الشريرة المتوارية في الاعماق والمقنعة بمسوح الحضارة الزائفة. الاميركيون كغيرهم من اصحاب الامبراطوريات البائدة يمرون الآن بطريق الصعود الهابط للانحطاط الاخلاقي الذي اودى بغيرهم الى مقابر التاريخ ودعونا نتأمل كم الاكاذيب والاضاليل التي يطلقها سكان البيت الابيض لتبرير رغبتهم للرقص فوق الاطلال الخربة. سوف يكثر الكلام في الايام المقبلة عن شكل العالم ما بعد الحرب.. سنرى صعود قوى وخفوت اخرى.. تبعية اشد للركب الاميركي.. وانسلاخ حاد عن قبضة الهيمنة الاحادية.. تغييرات في موازين القوى هنا وهناك، لكن حجم التأثير الاقوى سيكون هنا في هذه المنطقة من العالم التي تسمى الخارطة العربية. النظام العربي اثبت رسوبة بجدارة في الدفاع عن كيانه والذود عن أمنه الاقليمي وتحولت الجامعة العربية الى ساعي بريد لدى الادارة الاميركية التي تجاهلت استقبال مبعوثي لجنتها الرباعية المنبثقة عن قمة شرم الشيخ. فرق شاسع بين الكبار على حالة التردي العربي وان نلمس العجز متجسداً في صورته المادية الذي نراه الآن بالعين المصغرة! ظل المثقفون والمهمومون بمصير الكيان العربي يلهجون لسنوات وراء سراب خادع لاحداث اي نوع من التضامن الذي يمكن ان ينفع في مثل هذه الأيام السوداء، فجاءت ساعة الحقيقة كاشفة وفاضحة لكل مستور لم يعد يجدي اخفاؤه. عندما كنا صغاراً كان معلم اللغة العربية يشبه المفرد بعصا واحدة والجماعة بعدة عصي يقول انها عصية على الكسر عند توحدها.. واليوم ما احوجنا للعودة الى تعلم الدرس الاول بعد ان تداعت علينا الأمم كما تتداعى الآكلة على قصعتها وان كنا كثير ولكن كغثاء السيل.