السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 لم يجانب الرئيس الاميركي بوش الصواب حين أعلن في تصريحاته عقب قمة الآزور أن العالم سيواجه الحقيقة يوم 17مارس، فقد انكشفت الحقيقة بالفعل دون رتوش واتضح للعالم أن الهدف الاميركي من الأزمة مع العراق يتجاوز ما هو معلن بشأن نزع أسلحة الدمارالشامل الى هدف احتلال العراق واتخاذه نقطة انطلاق لتحقيق بقية الأهداف الاميركية المرتبطة بتعزيز أحاديتها على رأس النظام الدولى . واتضح أن الادارة الاميركية في تعاملها مع العالم بشأن الأزمة كانت تتعامل بمنطق تقديم الحقيقة على أقساط، وأن كل ما قدم غير ذلك لا يعد سوى نوعا من محاولة تزييف وعي الأخر في سبيل تسهيل تحقيق الهدف الاميركي بشأن العراق . وهنا فإن نظرة شاملة على مجمل تطورات فصول الأزمة العراقية الاميركية - بغض النظر عن مجريات العمليات العسكرية التي اندلعت صباح الخميس الماضي - تكشف عن العديد من المفارقات التي تشير الى مدى الإستخفاف الاميركي بعقل العالم - إن صح التعبير - ليس أقلها دعوتها الرئيس صدام الى الرحيل باعتبار أنه مصدر الأزمة في الوقت الذي راحت تعلن فيه أنه حتى لو غادر صدام العراق فإن قواتها ستدخل الأراضي العراقية للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهو ما كشف النوايا الاميركية الحقيقية بشأن العراق. واذا كانت ادارة العملية السياسية تقتضي أن يلجأ صانع القرار الى كافة الطرق لتحقيق ما يراه مصلحة بلاده فإن قيدا واحدا يرد على هذا المبدأ العام يتمثل في ضرورة ألا يقع في تناقض بما قد يحد من مساحة التأييد الذي يلقاه سواء على مستواه الداخلي أو على المستوى الخارجي، وهذا هو المحظور الذي يبدو أن ادارة بوش فشلت في تجنبه مما ألحق ضعفا كبيرا بموقفها انتهي الى محاولة الخروج منه بالإسراع بحسمه عسكريا . وفي هذا المجال يمكننا رصد العديد من المفارقات بشأن الموقف الاميركي أدت الى إضعافه على نحو غير مسبوق بشأن قوة دولية . أولا : أن الولايات المتحدة التي بدت متعجلة بشأن إتمام عمليات التفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية بشكل أثار الكثير من التساؤلات حول هذا الاستعجال هي نفسها التي كانت حريصة على إبطاء هذه العملية طوال عقد التسعينات وكانت ترى استمرارها بدون حد زمني رغم تجاوزها ثماني سنوات فكان قرار العراق بطرد المفتشين في 1998. ثانيا: أن الولايات المتحدة التي تشن حربا على العراق بدعوى انتهاكه الشرعية الدولية ممثلة فيما تزعم خرقه المادي للقرار 1441 تقوم هى نفسها بانتهاك هذه الشرعية بشن الحرب دون أن يفوضها مجلس الأمن الدولى هذا الحق، فضلا عن إفتقاد الإجماع بشأن هذا الخرق، إن لم يكن العكس حيث أن كافة الأطراف الدولية ترى عدم وجود خرق عراقي للقرار . ولا مجال هنا للاحتجاج بأنه ليس ثمة حاجة الى قرار دولى جديد، وإلا فيما كانت واشنطن وحليفتها لندن تجاهدان خلال الأيام الأخيرة للحصول على مثل هذا القرار ممثلا في محاولة اكتساب تأييد مجلس الأمن للمشروع البريطاني الأسباني الذي تم سحبه. ثالثا: أن الولايات المتحدة التي تدخل حربا مع العراق بدعوى حماية مواطنيها من تهديدات محتملة بتسرب أسلحة كيماوية الى عناصر ارهابية يمكن أن تستخدمها ضدها، تنقل هذه التهديدات من مستوى الاحتمال ضد مواطنيها الى مستوى الحقيقة ضد مواطني شعب أخر هو الشعب العراقي في حرب قد تؤدي الى مقتل عشرات الألاف إن لم يكن مئات الألاف من الأبرياء. رابعا : أن الحرص على عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل فضلا عن استخدامها من قبل النظام العراقي وهي اللافتة التي ترفعها الادارة الاميركية عنوانا لحربها ضد العراق، حرص يتلاشى اذا كان المستخدم هو الولايات المتحدة ذاتها وهنا فإن ادارة بوش لم تتورع عن الإعلان عن احتمال استخدام الأسلحة النووية ضد العراق لتكون هذه هى المرة الثانية التي يتم فيها استخدام هذا السلاح ومن قبل الولايات المتحدة نفسها. خامسا: أن الولايات المتحدة التي حشدت تحالفا دوليا من 28 دولة في حرب الخليج الأولى تحت دعوى رفض قيام العراق بغزو واحتلال الكويت، تقوم هى نفسها بنفس المهمة التي جيشت لها العالم في ذلك الوقت وهى غزو واحتلال العراق . سادسا: أن الإدارة الاميركية التي تعلن أن من بين أهدافها تحرير الشعب العراقي من ظلم نظامه الحاكم، بغض النظر عن زيف هذه الدعوى من الأصل، تساند أنظمة مختلفة تقهر شعوبها سواء في المنطقة أو في غيرها، هذا اذا تغافلنا عن مساندتها لحكومة شارون التي تمارس بحق أبشع أنواع الظلم والقهر ضد حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة دون أن يرمش لها جفن! قد تطول بنا القائمة ولا تنتهي اذا ما حاولنا أن نرصد المفارقات والتناقضات التي صاحبت الموقف الاميركي من الأزمة مع العراق ومنها أن الادارة الاميركية التي ترفع لواء الديمقراطية في الحرب مع العراق لا تقبل مثل هذه الديمقراطية في علاقاتها مع الأخرين وتحاول تكريس نوع جديد من الديكتاتورية على مستوى العلاقات الدولية . فضلا عن أنه رغم أنه ينظر لها على أنها تضع الف اعتبار للرأي العام تقوم هي نفسها بوضع هذا الرأي العام على الرف حال تعارضه مع توجهاتها ما جعلها في حالة عزلة دولية رسميا وشعبيا . ويؤدي بنا كل ما سبق الى الانتهاء بالمفارقة التي تلخص مجمل الأزمة والتي أشارت اليها بعض المصادر وتتمثل في أن بعض الوجوه التي تحمل لواء الحرب في ادارة بوش والدعوة الى تغيير العالم قد ارتبطت بالتقرير المقدم الى رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق نتانياهو عام 1996 حول ضرورة اعادة تشكيل الشرق الأوسط ككل دفاعا عن استمرارية وجود اسرائيل وضمان نفوذها .. وهاهي ادارة بوش تضع وباخلاص البرنامج المفترض لحكومة نتانياهو موضع التنفيذ.. فهل نستطيع أن نقول أن الحقيقة انجلت وانكشف تزييف الوعي؟ نعم. وماذا بعد ؟ ذلك هو الأهم .