الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 في لحظة ضياع وتشرد، في لحظة موت، صرخ بدر شاكر السياب، وكله حنين وخوف، كله يأس وأمل، كله ذكريات وآهات، يسكنه الخليج وبغداد وجيكور وغيلان، صرخ من بعيد: يا ليل.. أين هو العراق؟ وعن هذا الليل الأسود الحزين الذي لف العراق وأوجعه وأصابه بالموت، كل هذا العمر، كتب مرة سعدي يوسف: يهبط الليل كما لم يهبط الليل بأرض غير هذي الأرض.. ليل من صهاريج بلا ماء وغربان بلا مأوى يهبط الليل كما لم يهبط في الحلم الغراب. وليل العراق تغير ما عاد مثلما كان، كله سواد وظلم وجوع وخوف وأشباح فقط، بات ومنذ ليلة قبل البارحة كله موت، موت جماعي بشع، تحوّل سواده إلى دماء لا تهدأ ولا تتحملها الأرض، من كثر وجع هذه الأرض وحسرتها، لقد عاد لها زمن هولاكو، هولاكو الجديد. أزمنة العراق في العصور الأخيرة كلها شر، وشر صدام قد يكون أطولها وأقساها، لقد سُلّط عليها، وذاقت منه بغداد وذاق العرب منه، كل أنواع الجنون: حرب إيران ومكاسب أميركا تحديداً منها، وغزو الكويت وما جلب من جيوش وقوات إلى هذا الماء، وما امتصت بعدها من خيرات وثروات، حتى جاء حاكم العالم الجديد ليسكن ويستقر ويحكم عن قرب. يا خوفنا من هذا الآتي، لقد جاء فعلاً، فكيف سيكون العراق إذا ابتلي بمجنونين، أحمقين! ذهبت الشرعية الدولية في لحظة، وطار معها العقل، وغاب الضمير، فكيف سيكون واقع العالم بعد هذا التنازع والانشقاق، من سيحكم، ومن سيسمع، إنه تاريخ «عصبة الأمم» ومقدمات الحروب العالمية يتكرر. ما بعد الحرب.. من السهل ان يطلق بوش طائراته وقنابله، ويعلن وحده أو مع ذيله بريطانيا، بدء المعركة، لكن الحرب، عندما تبدأ لا أحد يعرف متى تتوقف، ولا كيف تكون نهايتها، ومهما كانت الشعارات المرفوعة في زمن الحشد والبحث عن أنصار مزينة بالوعود والعهود، وانها جاءت لتقضي على الظلم والطغيان وتمنح الحرية والأمان والديمقراطية، إلا أن واقع الحرب لا يعترف بذلك، إنها ليست سوى دماء وجثث وأمراض وخراب شامل، في الحرب لا يمكنك مهما ملكت من تكنولوجيا وتجهيزات أن تحدد الهدف وحده وتتجنب الأبرياء. هؤلاء الأبرياء هم الوقود الذي سيقدمه صدام وسيحصدهم بوش. وفي غزو العراق، ما عاد السؤال عن الحرب، لقد بدأت ولكن ما هي التكلفة، وثمن الأرواح البريئة التي ستدفن وقد لا تجد من يدفنها، هو الأصعب والأغلى في هذه التكلفة. وما بعد الحرب، هو السؤال الأهم: كيف سيكون العراق وواقع العرب، والنظام الدولي الجديد، وماذا يريد بوش وأين سيتوقف.. وهل سيتوقف؟! لطف الله بالعراق وأهله من هذه الأيام السوداء