الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 في الجزء السابق من هذا المقال، تحدثنا عن الاجندة الاميركية والسيناريو الذي وضعه صقور ادارة بوش للمنطقة، من خلال الحرب ضد العراق. ولكن ما هي نسبة نجاح ذلك السيناريو الاميركي الذي تسيطر عليه الامنيات والنوايا الحسنة للادارة الاميركية وصقور البيت الابيض؟ وماذا لو لم يتم تحقيق السيناريو حسب الخطة المطلوبة؟ وهل تضمن اميركا حياد اطراف مثل اسرائيل من ان تدخل طرفاً في الحرب او تستغل الظروف وتزيد من سخونة الموقف فترتكب حماقات تقلب الاوضاع العالمية والعربية وتزيد من حرارة الموقف الدولي الملتهب اصلاً من جراء التعنت الاميركي واصراره على الحل العسكري لتلك الازمة بعيداً عن الشرعية الدولية والامم المتحدة؟ واذا كانت الادارة الاميركية مصرة على الحرب للتخلص من اسلحة الدمار الشامل التي يملكها صدام حسين كالاسلحة الكيماوية والبيولوجية ومنها غاز الاعصاب والجمرة الخبيثة التي تدعي انه يمتلك منها كميات كبيرة فهل تضمن الا يستخدم صدام حسين تلك الاسلحة ضد القوات الاميركية وضد اعوان امريكا كاسرائيل والدول التي تنطلق منها القوات الاميركية الملاصقة للعراق وخصوصاً الكويت وتركيا والسعودية؟ وهل تضمن الادارة الاميركية الحالية انه حتى في حال تحقق لها المراد في تلك الحرب على العراق وسارت الامور وفق الخطة المضوعة هل تضمن نجاحها في الانتخابات المقبلة التي تقف في المقام الاول وراء تلك الحرب؟ وقفة متأنية مثل هذه الاسئلة وغيرها لا يمكن النظر للأزمة الحالية والحرب الاميركية على العراق دون الوقوف امامها بالنظر والتحليل، فمن وجهة نظر الصقور في الادارة الاميركية ـ كما وصفهم رالف نادر ـ ان الحرب ستنتهي سريعاً في غضون اسبوع، سيكون الجيش الاميركي قد تمكن من السيطرة على الاماكن الحيوية كمنشآت النفط والمدن الرئيسية وعلى رأسها العاصمة العراقية بغداد، وذلك بعد ضربات مفاجئة وموجعة للجيش العراقي بالقنابل والصواريخ التي توجه الكترونياً بدقة وعناية نحو الهدف بحيث لا تصيب المدنيين وهي فكرة تنطوي على مغالطة ووهم كبيرين، ولا يمكن قبولها الا باعتبارها حرباً نفسية يقصد بها ارهاب الخصم وزعزعة ثقته بنفسه كما انها صعبة التحقيق واقعياً فكيف يمكن التغلب على جيش مهما كان ضعيفاً واحتلال عاصمة دولة تحتوي على ملايين من البشر في غضون اسبوع. في احسن الحالات مثل هذا الوضع على فرض نجاحه سيستغرق من اربع الى ثمانية اسابيع، اما القول بالحفاظ على حياة المدنيين العراقيين فهي اكذوبة كبرى لا تقل عن الشعار المرفوع من قبل الادارة الاميركية من ان الهدف من الحرب تحرير الشعب العراقي من الدكتاتور صدام حسين واعوانه ونشر الديمقراطية وتحقيق الرخاء والرفاهية في ربوع هذا البلد، حتى يكون نموذجاً يحتذى في المنطقة العربية وتحاول الادارة الاميركية وانصارها بالتلويح بجعل العراق نموذجاً لما حدث في اليابان والمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حينما وضعتا تحت حماية الحلفاء واميركا على وجه الخصوص. فالخطة الاميركية تقتضي بتوجيه خمسة آلاف قنبلة وصاروخ الى الاماكن الحيوية للجيش والنظام العراقي في اليوم الاول فقط من الحرب فإذا علمنا ان هناك قنابل تزن تسعة اطنان تصيب منطقة قطرها خمسمئة متر، وبالتأكيد ستوجه معظم هذه القنابل والصواريخ الى المدن الكبرى المكتظة بالسكان كبغداد والبصرة مما يعني ان الضحايا من المدنيين سيكونون اكثر مما يتصور خصوصاً وان الانباء تبين ان المدنيين العراقيين يخزنون كميات كبيرة من منتجات النفط كالغاز والكيروسين حتى يدبرون احتياجاتهم وقت الحرب وهو ما يزيد من انتشار الحرائق والخسائر في الارواح والممتلكات وهو ما سيزيد المعارضة الدولية ضد الحرب والتي تزداد ضراوة كل يوم خصوصاً وانها حرب خارج الشرعية الدولية وقد عبر عن ذلك الامر بوضوح الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بأن الحرب خارج مجلس الامن والامم المتحدة يهدد السلام والاستقرار العالمي وناشد الدول الكبار في مجلس الامن بضرورة الاتفاق على رأي واحد مهما كان هذا الرأي وهو نفس الموقف الذي نادى به كثيرون من الخبراء والكتاب القريبين من الادارة الاميركية امثال توماس فريدمان الذي اعلن ان الحرب دون قرار من مجلس الامن حرب غير ضرورية. وقد اعلنت اسرائيل على لسان وزير دفاع الكيان الصهيوني شاؤول موفاز ان اسرائيل سترد على اي عدوان محتمل من قبل العراق فما هو الموقف لو استغلت اسرائيل الموقف ودخلت الحرب نتيجة لتعرضها لهجوم عراقي حقيقي حينئذ ما هو رد فعل الشارع العربي وما هو رد فعل الدول الكبرى مثل فرنسا وروسيا والمانيا والصين وهل من الممكن ان تتحول هذه الحرب الى حرب عالمية حيث افادت التقارير ان رئيس وزراء الكيان الصهيوني هدد بضرب العراق بالاسلحة النووية اذا تعرضت تل ابيب لضربات باسلحة كيماوية او بيولوجية خلفت عدداً كبيراً من القتلى صحيح انه احتمال ضعيف ولا تزيد نسبة حدوثه على 10% الا انه وارد وكل شيء في الحرب ممكن. من الطبيعي انه سيتم للجيش الاميركي وحلفائه السيطرة على العراق، ولكن لن يكون ذلك دون خسائر او كما هو متصور فالتقارير والاخبار القادمة من العراق تؤكد ان النظام العراقي لغم آبار النفط ومناطق الحدود مع الكويت وحفرت خنادق على الحدود مع تركيا مما يعني ان الحرب لن تكون نزهة برية للجيش الاميركي فماذا لو اشتعلت آبار النفط العراقية؟ كما حدث في الكويت في حرب الخليج الثانية، وزادت فترة الحرب عن اربعة اسابيع، سيقفز برميل النفط فوق الخمسين دولاراً وهو ما سيزيد من نقمة الشارع الاميركي والاوروبي على الحكومة الأميركية كما أنه سيؤثر على تكاليف وتحسين أوضاع ابار النفط العراقية مما سيزيد أعباء النفقات المقررة لإعادة إعمار العراق وسيحول دون ضخ النفط العراقي في الأسواق لفترة غير قليلة مما سيضع الإدارة الأميركية في وضع لا تحسد عليه. وماذا لو لم ينجح الجيش الأميركي في اعتقال صدام أو اغتياله حسب التقارير كما حدث مع ابن لادن والملا عمر في افغانستان من قبل؟ ماذا سيكون تبرير الحكومة الأميركية لشعبها وللعالم؟ وماذا لو لحق صدام بهما في مكان مجهول؟ معنى هذا أن عدد زعماء الارهاب سيزدادون وستكون المخاطر على حياة الشعوب وأعمال العنف أكثر من ذي قبل وستكون الحرب الأميركية على الارهاب عاملا من عوامل تغذية هذا الارهاب وازدياد رقعته ونفوذه. مزالق متعددة واذا كانت الحكومة الأميركية تصر على أن صدام حسين مخادع وأنه يمتلك بالفعل أسلحة دمار شامل وخصوصا غاز الأعصاب والجمرة الخبيثة (أنثراكس) وهي أسلحة فتاكة وخطيرة بالفعل ويمكن أن تقضي على عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين والبريطانيين وهو أمر وارد جدا ماذا سيكون مصير توني بلير الذي يواجه عاصفة تطالب بسحب الثقة منه في حالة الذهاب الى الحرب بدون قرار شرعي من الأمم المتحدة بالتأكيد سيستخدم الجيش الأميركي الأسلحة النووية مما يعني أنه سيحول العراق الى مقبرة جماعية يكون ضحاياها بالملايين وستترك آثارها المدمرة على الإنسان والبيئة لعشرات السنين المقبلة كما هو الحال في هيروشيما وناجازاكي باليابان وبالتالي فالحلم الأميركي بجنة موعودة في الشرق الاوسط سيتحول الى جهنم والى كابوس مخيف للإدارة الأميركية وسيزيد من الشقاق بين أوروبا وأميركا بصورة لا يمكن عودة الأمور إلى ما كانت عليه من قبل من تفاهم وتبادل للمصالح وسينفلت الشارع العربي حينئذ من عقاله وسيدمر كل شيء في طريقه. وهل يراهن الجيش الأميركي بالفعل على أن الجماهير في العراق ستستقبل الجيوش الغازية بالورود والرياحين لأنها ذاهبة كما تزعم الإدارة الأميركية لتحريره وتمدينه وهي حجة تقليدية ومكررة من قبل في أدبيات الاستعمار الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين في تبرير احتلاله لبلدان العالم الثالث وبالتالي فالشعب العراقي حتى وإن كان يكره النظام العراقي بالفعل فلن يقبل بالغزو الأميركي مهما كان الثمن والتضحيات وأظن ان معظم تيارات المعارضة العراقية رفضت تغيير النظام العراقي بالاحتلال الأميركي لأنهم يعلمون نوايا أميركا الحقيقية تجاه شعب العراق والمنطقة بكاملها وبمعنى آخر من الممكن جداً أن يقابل الجيش الأميركي مستنقعا في العراق ليس أقل ضراوة من مستنقع فيتنام الذي راح ضحيته مليون جندي أميركي خصوصاً وأن شاشات التلفزيون تعرض صور آلاف الشباب العربي الذي تدفق على العراق للدفاع عن الشعب العراقي والأراضي العراقية ضد المحتل بعد صدور الكثير من الفتاوى من الأزهر الشريف وعلماء المملكة العربية السعودية بوجوب الجهاد ضد الاحتلال الأميركي للعراق والمنطقة العربية. وأخيرا حتى لو تحقق للقوات الأميركية نصر مظفر وسيطرة سهلة على الأراضي العراقية ونفط العراق فهل هذا يعني ضمان نجاح الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في الانتخابات الأميركية القادمة؟ وما الذي يضمن له عدم وقوف اللوبي الصهيوني ضده في تلك الانتخابات بعد أن حقق لهم كل مايطلبونه خلال فترة رئاسته الأولى حتى لا يمارس عليهم ضغوطا في الفترة الثانية في سبيل إقامة دولة فلسطينية مستقلة كما أعلن مرات كثيرة؟ وهل كان نجاح والده جورج بوش الأب رجل المخابرات والأكثر خبرة ودراية في حرب الخليج الثانية على العراق وتحرير الكويت في تحالف دولي ضمانا له في الدورة الثانية للانتخابات الأميركية أمام الشاب قليل الخبرة والتجربة بيل كلينتون أم تحقق العكس وفاز الشاب على صاحب الخبرة والتجربة وهو ما تحقق بالفعل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فخرج زعماء بريطانيا وفرنسا بعد تحقيق النصر في أول انتخابات، وذلك لأن الشعوب المتقدمة ترى أن رجل الحرب ليس هو الشخص المناسب لمرحلة السلم والاستقرار الداخلي. معنى هذا أن الرهان على أن الحرب الأميركية على العراق والنجاح فيها سيكون هو المدخل الوحيد او طوق النجاة للرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش وأمله في دورة رئاسية جديدة، هو رهان محفوف بالمخاطر وأن المزالق والعقبات في تحقيق هذا الحلم أكثر من النتائج التي تعولها الإدارة الأميركية عليه، أي أنه رهان خاسر بكل المقاييس والحسابات. صحيح أن الوقت مازال مبكرا للتحقق من صدق ذلك من عدمه، لكن في دروس التاريخ وأحوال الأمم والشعوب عظات وعبر. دعونا ننتظر ونرى. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات