الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 حركة التمرد الدولي ضد الولايات المتحدة داخل مجلس الامن بدأت عند سقوط لجنة بتلر للتفتيش الدولي مجللة بعار التجسس لحساب الاستخبارات الاميركية والموساد الاسرائيلي. فقد اتخذت القوى الدولية المعارضة الثلاث ـ فرنسا وروسيا والصين ـ موقفاً صامداً تجاه مسألة تعيين لجنة جديدة. وكانت النتيجة تعين رئيس حيادي يوافق عليه الجميع: السويدي هانز بليكس.. وايضا كسر حالة شبه الاحتكار الاميركي البريطاني لعضوية فرق التفتيش مما ادى الى حالة توازن بمشاركة مفتشين من جنسيات مختلفة بما في ذلك فرنسيون وروس وصينيون وغيرهم. وبمزيد من ضغط المعارضين جرى تعيين مدير وكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي المشهور بنزاهته المهنية. وهكذا برز وضع جديد تماماً امام الولايات المتحدة. فتعيين لجنة تفتيش حيادية ونزيهة يعني أولاً ان واشنطن فقدت سيطرتها على عملية التفتيش، ثانياً، وهذا هو الاخطر ان مسار التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق لن يستمر الى الابد كما تريد له واشنطن. فخلال بضعة شهور سوف يتوصل بليكس والبرادعي الى النتيجة النهائية: اما تبرئة العراق تماماً وإما العثور على شيء من اسلحة الدمار الشامل يجري تدميرها تحت اشراف دولي.. وعند هذا الحد تنتهي اسطورة الدمار الشامل ويغلق ملفها لتفسح المجال لذلك الملف الأهم الذي يخشاه اصحاب مشروع اسرائيل الكبرى في الادارة الاميركية: ملف الغاء نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991 نهائياً.. فيتحرر العراق ويسترد سيادته الوطنية على موارده الضخمة بالكامل ليعود ذلك الرقم الخطير في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. هنا طلعت واشنطن بحيلة اخرى من اجل عرقلة مسار التفتيش بغرض اجهاضه.. فقد اقترحت تعديل «برنامج النفط مقابل الغذاء» ليكون «برنامج العقوبات الذكية». وجرى طرح البرنامج الجديد على انه وسيلة اسرع للتعامل مع الطلبات السلعية التي تتقدم بها الحكومة العراقية. ورغم ان القوى الدولية الثلاث المعارضة للولايات المتحدة لم ترفض هذا البرنامج الجديد إلا انها واصلت ضغطها من اجل تمكين لجنة التفتيش من المضي قدما في مهمتها واستكمالها بأسرع ما يمكن. وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها امام عد تنازلي سوف ينتهي خلال بضعة شهور الى فتح ملف الغاء العقوبات وبالتالي عودة العراق بزخم الى الساحتين الاقليمية والدولية. وفي مواجهة المعارضة المتعاظمة في مجلس الامن من قبل الثلاثي الفرنسي والروسي والصيني واتساع نطاقها لتشمل دولاً اخرى حشرت الولايات المتحدة في زاوية، واكتشفت واشنطن انها في سباق مع الزمن مع استمرار التقدم اليومي في عملية التفتيش بهمة ونشاط تحت اشراف بليكس والبرادعي. عند هذا المنعطف الحرج قررت واشنطن نزع القناع. دون مقدمات كبيرة انزوت قضية اسلحة الدمار الشامل لتأخذ مكانة ثانوية بعد ان اخذت الادارة الاميركية تتحدث عن «اسقاط النظام العراقي» هذه هي بداية الحرب. كان هذا انحرافاً مفضوحاً، فجميع قرارات مجلس الامن الدولي الخاصة بحرب الخليج منذ عام 1991 وحتى الآن ـ بما فيها القرار الاخير 1441 ـ لا علاقة لها اطلاقاً من بعيد أو قريب بشأن النظام العراقي الحاكم. فهذه القرارات تتمحور حول نظام العقوبات الاقتصادية.. ونظام العقوبات كما تنص القرارات مرتهن الى مسألة اسلحة الدمار الشامل. وعلى هذا الاساس فإن المعادلة بسيطة: ينزع ما لدى العراق من اسلحة دمار شامل. وبعد ان يثبت ان العراق لم يعد يملك شيئاً من هذه الاسلحة ترفع العقوبات عنه. اما مصير النظام العراقي فلا شأن لمجلس الأمن أو قراراته أو حتى ميثاق الامم المتحدة به. لكن اتضح ان للولايات المتحدة اجندة ذاتية خفية. فمسألة اسلحة الدمار الشامل ثبت انها ليست سوى ذريعة ومبرر لإنفاذ نوايا اميركية مضمرة سلفاً تتعلق بمصير الشرق الاوسط من منظور الحركة الصهيونية العالمية وحلفها مع اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة. انها اجندة دونالد رامسفيلد كممثل لليمين المسيحي وبول فولفتز كممثل للمنظمات الصهيونية من اجل التمكين لإسرائيل لإدماجها بالقوة الارهابية في المحيط العربي.. ويكون ضرب العراق واحتلاله اميركيا الخطوة الاولى. لقد رأت ادارة بوش قطار التفتيش عن الاسلحة ينطلق.. فقررت تعطيل مساره قبل ان يبلغ محطته.. المحطة التي ينتهي التفتيش ليبدأ فصل جديد بعنوان «تحرير العراق من نظام العقوبات». من هنا كان اعتماد قرار الحرب على العراق بعد ان اكتشفت واشنطن في وجه معارضة دولية شرسة، فشل الوسائل السلمية لإحباط عملية التفتيش.