الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 هناك منطقة من العالم مغيبة تماما في الخطاب العربي السياسي والإعلامي برغم تأثيرها المباشر والحيوي على العديد من القضايا العربية، بل يبدو أن هذا التغييب متعمد من جانب الحكومات والمؤسسات العربية الرسمية ، جميعا بلا استثناء، ألا وهي منطقة أميركا اللاتينية التي لم يلتفت إليها أحد طوال القرن الماضي، القرن العشرين، برغم أن جميع العرب يعرفون أن مأساة شعوبنا العربية طوال ما يزيد على نصف قرن، واستنزاف ثرواتنا خلال تلك الفترة، وهي فترة حروبنا مع إسرائيل المدعومة أميركيا، تمت بفارق صوت واحد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما صوتت دولة أميركية لاتينية، مغلوبة على أمرها ولا تعرف الفارق بين العرب والعجم، هي «كوستاريكا»، لتغرس في أرضنا تلك القاعدة العسكرية الغربية الأميركية في قلب أوطاننا تحت مسمى «إسرائيل». وإذا كان البعض يعتقد أن دور دول أميركا اللاتينية الفاعل والمؤثر في قضايانا انتهى بهذا الصوت الذي صنع مأساة شعوبنا جميعا، فهو واهم، وربما من هنا امتد هذا الجهل أو التجاهل المتعمد لأثر هذه المنطقة، ففي الوقت الراهن تلعب القوى الاستعمارية بمصائرنا وتحدد مستقبلنا بمحاولات استخدام تلك المنطقةأيضا، سواء من خلال نفوذها العسكري والاقتصادي هناك مع الدول الخاضعة لهذا النفوذ، أو باستخدام أدوات الترهيب باستخدام القوة والعزل السياسي في المحافل الدولية مع الدول التي لا تزال تتمسك ببعض من الحياء، أو المبادئ في تعاملها مع القوانين الدولية التي تستهين بها تلك القوى وتحاول استخدامها لإخراجنا نهائيا من التاريخ، وتحولنا ولقرون قادمة إلى أمة لا قيمة ولا وزن لها. تمنع لاتيني خلال المداولات التي جرت في مجلس الأمن حاولت الولايات المتحدة أن تحصل على تأييد غير مشروط لتبدأ حربها ضد العرب ومنطقة الشرق الأوسط بالكامل بدءا من العراق، وانتهاء بالسيطرة الكاملة على منابع البترول والقوة في منطقتنا من خلال ما أسماه كولن باول وزير خارجيتها «إقامة الديمقراطية». من هنا كان لا بد من الاصطدام بدولتين في مجلس الأمن تمثلان منطقة أميركا اللاتينية، وهما المكسيك والتشيلي، وحركت في هذا الاتجاه «خوسيه ماريا أزنار» رئيس وزراء إسبانيا، وخادمها الأمين «المتطوع» لتنفيذ تلك السياسة الاستعمارية، وأمرته بالمرور بعاصمة المكسيك لإقناع رئيسها «فيثنتي فوكس» بتأييد الخطط الأميركية في توجيه ضربة عسكرية ضد العراق عند التصويت عليها في مجلس الأمن، ولكن رئيس الوزراء الإسباني فشل في تنفيذ الطلب الأميركي لسبب بسيط، وهو أن الشعب المكسيكي يكن للأميركيين عداء تاريخيا، وينظر إلى الجار الشمالي كقوة استعمارية، لأنه لا يستطيع أن ينسى أن الولايات الأميركية الجنوبية تم انتزاعها من الجغرافية الوطنية للمكسيك، وأن الرئيس فيثنتي فوكس يخشى ردة الفعل الشعبية تجاهه وتجاه حكومته إن هو اقدم على مثل هذه الخطوة التي تتعارض مع الإحساس الشعبي العام، وهو إحساس بالمسئولية الوطنية يفتقده خوسيه ماريا ازنار الذي ترفض غالبية مواطنيه هذه الحرب. وبسبب الموقف المبدئي للحكومة التشيلية التي تعارض استخدام القوة ضد أي نظام في أي مكان من العالم، لأنها عانت التدخل الأميركي الدموي الذي أورثها ديكتاتورية الجنرال بينوتشيه، الذي استنزف القدرات البشرية والمادية لبلاده طوال ثمانية عشر عاما لحساب الولايات المتحدة التي جاءت به إلى السلطة على أسنة الرماح، رفضت الرضوخ لضغوط أميركية مباشرة لتغيير موقفها في مجلس الأمن. من هنا فإن الموقف في أميركا اللاتينية كان مخيبا للتطلعات الأميركية، وفشلت سياستها في الحصول على الأصوات التسعة التي كانت تود الحصول عليها لتضع الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن -فرنسا وروسيا والصين- في موقف حرج، فتتردد كثيرا قبل استخدامها لحق النقض (الفيتو) ضد المشروع الأميركي، الذي يفتح الطريق أمام إدارة البيت الأبيض للبدء في تنفيذ خطتها بالهيمنة على العالم من خلال احتلالها بشكل مباشر لمنابع النفط، ليس في العراق وحسب بل وفي منطقة الشرق الأوسط كلها، وأحلامها امتدت إلى السيطرة على النفط الفنزويلي لتضع نفسها أيضا وصيا على مجموعة الدول المصدرة لنفط «الأوبك»، ومنها التحكم في مصادر الطاقة، وبذلك تمتلك القدرة على تحديد حجم النمو الاقتصادي في الدول الصناعية في أوروبا الغربية والعالم، وتخضعه لمصالح الشركات الأميركية. عندما تخلت الولايات المتحدة عن استصدار «قرار الحرب» في مجلس الأمن، حاولت أن تحصل على تأييد دولي من خارج الأمم المتحدة، لتبدو وكأنها تتمتع بما يشبه «الشرعية» التي تستخدمها كورقة توت تستر بها عورتها التي انفضحت، والتي توشك على تدمير الأمم المتحدة، المنظمة الدولية الوحيدة التي يمكنها أن تلعب دورا في تحجيم الاندفاع نحو استخدام القوة في حل القضايا والأزمات الدولية. من هنا قررت الولايات المتحدة استخدام بريطانيا في لعب دور «الخادم» الآخر، بعد فشل الخادم الأسباني، وتبين عجزه عن إقناع أحد برغم العلاقات التاريخية التي تربط دول أميركا اللاتينية بإسبانيا، وتبين أن تلك العلاقات يمكن أن تنجح فقط عندما تصب في مصالح شعوب أميركا اللاتينية وإسبانيا، أما إذا كانت نابعة من منطلق شخصي فإن مصيرها هو الفشل كما حدث عندما حاول خوسيه ماريا ازنار الحصول على الدعم المكسيكي للخطط الأميركية، ليثبت لجورج دبليو بوش أنه قادر على لعب دور ما في تحقيق مطامح أميركا. فشل بريطاني بدأت بريطانيا بلعب دورها المنوط بها بالاتصال بدول أميركية لاتينية من خارج مجلس الأمن، وبدأت بالارجنتين، ولأنها تعلم أن الوضع الاقتصادي هناك حرج جدا ويحتاج إلى مليارات الدولارات لضخها في اقتصادها المنهار، فقد لوحت بتلك الورقة، إلا أن محاولة فتح الحوار مع الأرجنتين للحصول على دعمها غير المشروط للخطط الأميركية قوبل بالرفض الكامل، وذلك عندما طرح السفير البريطاني في بوينس ايريس على وزارة الخارجية الأرجنتينية عدة أسئلة منها: ـ هل الأرجنتين مستعدة لتقديم الدعم السياسي لعمل عسكري (أميركي ضد العراق)؟ وهل الأرجنتين على استعداد لإصدار بيان علني يؤكد موقفها هذا؟ على الرغم من الإجابة السلبية التي تلقاها السفير البريطاني في العاصمة الأرجنتين، إلا ان وزير خارجية الأرجنتين «كارلوس روكاف» انتقل إلى نيويورك بنفسه ليؤكد رفض بلاده التام والذي لا يقبل الجدل لأي عمل عسكري خارج نطاق الشرعية الدولية، وأشار حسب ما ذكرت الصحيفة الأرجنتينية «كلارين» الى أن هذا الرفض نابع من موقف مبدئي تقوم عليه السياسية الخارجية لبلاده. بل تعدى الموقف الأرجنتيني مجرد الرفض إلى التنسيق مع التشيلي العضو غير الدائم بمجلس الأمن لتبني وجهة النظر التي طرحتها الدول غير الدائمة العضوية بالمجلس، والتي تقضي بمنح المفتشين فرصة من الوقت لإثبات صحة مزاعم الولايات المتحدة حول أسلحة الدمار الشامل بالعراق من عدمه. هذا الموقف أثار الإدارة الأميركية، فقررت أن تتحرك لكبحه من خلال البحث في «الدفاتر القديمة» وهنا جاء دور إسرائيل التي تمتلك الكثير من تلك الدفاتر المليئة بالتلفيقات والتزييف، نظرا لوجود جالية يهودية كبيرة في الأرجنتين، وهذا الوجود اليهودي الكثيف نشأت عنه صراعات كان لا بد من حدوثها بين اليهود الراغبين في مكان هادئ للعيش بعد معاناة الحرب العالمية الثانية، وبين اليهود الصهاينة الذين يحملون عقيدتهم المتطرفة التي تريد من الشعب الأرجنتيني أن يكون خادما لمصالح إسرائيل، ونتيجة هذا الصراع كانت دموية في كثير من الأحيان، ولعبت فيها السلطات الرسمية الإسرائيلية أدوارا مباشرة. من بين تلك القضايا الدموية التي أثبتت التحقيقات القضائية أنها نبعت من صراع داخلي صهيوني عمليتي تدمير السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية في 17 مارس عام 1992، ثم عملية تدمير مبنى الجالية اليهودية في بوينس ايريس أيضا في 18 يوليو عام 1994، وهي فترة كان فيها الصراع على أشده بين المتطرفين الصهاينة المؤيدين لحزب الليكود، وبالتحديد لحكومة نتانياهو، وبعض الجماعات اليهودية الرافضة لربط مصير يهود الأرجنتين بما يحدث في الأراضي العربية المحتلة. بالرغم من الضغوط التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة خلال تلك التحقيقات لإلصاق مسئولية هذين الانفجارين بجماعات فلسطينية في البداية، ثم بعد ذلك تحميل إيران مسئوليتها، وعلى الرغم من أنه خلال تلك التحقيقات كان يتولى منصب وزير الداخلية في الأرجنتين يهودي، إلا أن كل التحقيقات القضائية أثبتت أن الانفجارين حدثا من الداخل، بل أنه في حالة انفجار السفارة الإسرائيلية أكدت التحقيقات أن المتفجرات كانت في مخزن يقع تحت مبنى السفارة نفسها، وحامت الشبهات وقتها حول جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد»، وثارت الشكوك حول أنه كان مصدر تلك المتفجرات، وانه كان يعدها لارتكاب عمليات إرهابية ضد مؤسسات معينة، وإلصاق التهمة ببعض الفصائل الفلسطينية للإساءة إلى العلاقات العربية الأرجنتينية، وتم إغلاق ملفات التحقيق حتى لا يتم كشف التورط الرسمي الإسرائيلي في الحادثتين. اللعبة المخابراتية من هنا بدأت لعبة الموساد والمخابرات المركزية الأميركية في فتح تلك الدفاتر القديمة، بدعوى العثور على «أدلة» جديدة في الحادثين، واستخدما معا بعض المتعاونين في جهاز المخابرات الأرجنتيني، وإذا بنا نسمع فجأة تقريرا قدمه الوزير الإسرائيلي «سيلفان شالوم» قبل أيام، يؤكد فيه أن الأدلة الجديدة التي حصلت عليها المخابرات الأرجنتين تؤكد أن المسئولية في الحادثتين تقع على عاتق «إيران» و«حزب الله»!، وطالب الحكومة الأرجنتينية باتخاذ الإجراءات اللازمة نحو فتح الملفات القديمة من جديد، وتقديمها للقضاء حتى تثبت أنها ملتزمة بمكافحة «الإرهاب»، وهو ما اعتبرته الحكومة الارجنتينية تدخلا في سياستها الداخلية. إلا ان المفاجأة الأكبر كانت عندما تبين أن ما أسماه الوزير الإسرائيلي «أدلة جديدة» لم يكن في الحقيقة سوى «استنتاجات إسرائيلية» قدمها الموساد والمخابرات المركزية إلى مدير المخابرات الأرجنتيني حتى يعلن تورط إيران وحزب الله في تدمير السفارة الإسرائيلية ومقر الجالية اليهودية في العاصمة الأرجنتينية!. من قراءة هذه الأنباء وتلك المحاولات يمكن تبين الدور الذي أنيطت به إسرائيل في منطقة أميركا اللاتينية، وأيضا تكشف عن الهدف الأميركي الإسرائيلي القادم بعد العراق، فالهدف القادم سيكون إيران ولبنان، اتهام إيران في أي من الحادثين يضعها أمام العالم كواحدة من الدول التي ترتبط بالإرهاب، سواء بارتكابها أعمالاً إرهابية أو مساعدتها لجماعات تقوم به، وتحقق بذلك السياسة الأميركية، وتفتح الطريق في الوقت نفسه لتستغل إسرائيل ما تقوم به القوات الأميركية من حروب في العراق وغيرها من المناطق العربية والشرق الأوسطية، لتقفز على جنوب لبنان مجددا، وتحاول تصفية وجود حزب الله ومقاتليه بعد أن هزموا جيشها وأجبروه على الفرار أمامهم. من هنا يأتي سؤال: هل تعرف الدبلوماسية العربية تلك المعلومات، وتفهم أن دور أي دولة من دول أميركا اللاتينية الغائبة عن خطاب العرب الإعلامي والسياسي له تأثير مباشر وفاعل في قضايا العرب في المحافل الدولية وأمام الرأي العام العالمي؟. أنني أستطيع أن أؤكد هنا، أن الدبلوماسية العربية لا تعرف شيئا من هذا، بل وأؤكد أنها لا تريد أن تعلم شيئا عن تلك المنطقة عن عمد وسبق إصرار، وإلا ما كان العاملون في السفارات العربية في تلك البلاد يجهلون مجرد الحديث باللغة التي تتحدث بها شعوبها، وأن معظم الدبلوماسيين لا يتمنى الخدمة في مثل تلك البلاد، بل ويعملون على الهروب من خدمة بلادهم في أميركا اللاتينية بادعاء عدم أهمية وجودها على الخريطة السياسية الدولية، وجهل لغة شعوبها، لأنها ليست من المناطق التي يمكنه العيش فيها بالاستمتاع الذي يمكن أن يعيش به خلال خدمته في سفارات بلاده في أوروبا غربها وشرقها. ترى متى ننتبه إلى غياب أميركا اللاتينية ودولها وشعوبها عن خطابنا الدبلوماسي والسياسي والإعلامي؟ ـ كاتب مصري